علاء البغدادي
من ينظر إلى الراهن السياسيّ العراقيّ، يرى وبوضح أن آثاره السلبية تنصبُّ فقط فوق رأس المواطن المسكين، فما زالت الزوابع تدور في أروقة هذا الوطن المظلوم، وما زال تراب الضيم والجور يُغطي نخيله، وما زالت مياهه – الشحيحة على أبنائه وهو بلد الرافدين – ما زالت مصطبغة بلون الدم القاني، وما زالت أشلاء العراقيين تتناثر على امتداد تضاريس العراق، كلَّما اختلفت أمزجة الساسة وتقاطعت مصالحهم.
إن الأزمة السياسيّة الحالية التي تُعصف بالعراق والعراقيين اليوم، هي ليست وليدة الحال، بل هي قائمة منذ بداية العمل السياسيّ بعد الاحتلال وسقوط نظام البعث المقيت، بل وحتى قبل ذلك، كُل ما في الأمر هو اختلاف في حيثياتها وأوجهها ليس إلاّ، لأنه منذ البداية كانت هناك الكثير من المتبنيات والمفاهيم الخاطئة التي ارتكزت عليها العمليّة السياسيّة في العراق، والتي لم يستطع الجميع الفكاك من شرنقتها إلى الآن، ومن أهم تلك الآفات، هو مفهوم (المحاصصة) على أساس مذهبيّ وقوميّ، و(مبدأ التوافق) و(الشراكة السياسيّة)، مما أدى إلى ضياع الدور الرقابيّ للبرلمان بحجّة الشراكة، وحرمان أغلبيّة أبناء المجتمع من استحقاقاتهم الطبيعيّة بحجّة التوافق.
ما ينبغي على الساسة اليوم، هو المُبادرة إلى تغيير المنظومة الفكريّة التي تسيّرهم، والتفكير الجديّ والعمليّ بمصلحة المواطن والسعي الجاد إلى تحقيقها، وعليهم أن يتحرّروا من الإملاءات الخارجيّة، ولابدّ أن يُعيدوا الحياة والهيبة للمنظومة القيميّة للعمل السياسيّ والحفاظ على ثوبه الناصع، مع ما يقتضيه من خبايا وأسرار ومكر ودهاء وشدّ وجذب، إلاّ أن هذه الأساليب لا يُمكن اعتمادها مع الجماهير، بل لا يُستحسن الركون إليها حتى بين الفرقاء السياسيين أنفسهم، لأنها جُعِلَت للتعاطي مع الخصوم الحقيقيين لاسيَّما في ملف السياسة الخارجيّة.
وتأسيساً على ما تقدّم، لابدَّ أن يُدرك الساسة في العراق، بأن تجسير الثقة مع الناس وتدعيمها بخطواتٍ عمليّةٍ في طريق تحقيق مصلحة المواطن على المستوى الأمنيّ والخَدَميّ والمعيشيّ، هي السبيل الوحيد لخلاص الجميع، وهي بذات الوقت ما يُحصِّن السياسيّ نفسه من الوقوع في مهاوي التسلُّط ومغريات السلطة وبراثنها، لأن العمل السياسيّ مالم يَعتَمِدُ مصلحة الناس كبوصلةٍ حتميَّةٍ تُحدِّد له وجهته الصحيحة، فهو لا يساوي شيئاً على الإطلاق، لذا، فعلى ساستنا الأشاوس أن يعيدوا ترتيب أوراقهم قبل خراب البلاد والعِباد.








