المقالات

أزمة اللا ثقة

جمعة عبدالله مطلك

 

نشأت العلاقة بين المجتمع والدولة في الغرب وفق السياق التالي : شعرت القوى الاجتماعية النافذة اقتصاديا وثقافيا بضرورة استحداث نظام قانوني واداري اكثر مرونة وديناميكية وقوة من النظام الامبراطوري القديم . نظام يلبي حاجة القوى والطبقات الجديدة وما نتج عنها من ثقافات ورؤى اجتماعية . فانبثق نظام الدولة الحديثة تلبية لحاجات المجتمع المنتج الذي يتداول الثقافة كشأن من يومياته المهمة والفاعلة .

        تطورت بعد ذلك الدولة الحديثة الى الشكل الذي هي عليه اليوم . اي خادمة للمجتمع لا سلطان لها قهريا او اعتباطيا على هذا المجتمع الذي صنعها وقد دخل نظام العقلانية في عملية الصناعة تلك . ثم اطردت بعد ذلك معادلة التوازن داخل المجتمع بضرورة احترام الدولة لانها خيار المجتمع الاخلاقي الارفع . فالنظر الى القانون والسلطة والدستور وحقوق المرأة وحرية الاديان كلها ضمن المتفقات التي تواضع عليها المجتمع واوكل مهمة تنفيذها الى الدولة . وفي هذا السياق فان افراد المجتمع هم كائنات الدولة وموضع رعايتها فهي بالنسبة اليهم مشروعا هائلا للخدمة والتنظيم والمساعدة . وهم بالنسبة اليها مصفوفة من المعلومات كاملة وتامة ابتداءً من بصمة الابهام ولون العينين والامراض الوراثية وصولا الى اعلى مراحل الضمان الاجتماعي والرعاية والحماية .

      على الجانب الآخر فان الدولة العراقية الحديثة هي التي اولدت بعملية قيصرية هذا المجتمع الذي يرفضها اليوم ويحاول تفتيت شرورها بالنظام اللامركزي او بغيره . والفيصل في سوء العلاقة يعود اساسا الى ضعف في قوانين الثقافة السياسية للعراقيين التي تعتمد على محرك اساسي لها هو الشك واللاثقة . فلا يمكن اقامة دولة حديثة بما تعنيه الكلمة من معنى وحدود دون توفر عامل الثقة بين الناس في علاقاتهم البينية التي يعتبر اليقين الاجتماعي ثم السياسي الارضية الضرورية التي يقوم عليها بناؤهم النفسي ثم التنظيمي .   ازمة اللاثقة بين العراقيين لا تتركز في النخبة السياسية او في شحنة الكراهية الغريبة بين المثقفين والادباء فهي تمثل مكونا سايكولوجيا عراقيا يصعب فهم استمراره كل هذه الدهور والسنين .

       تمر الشعوب بفترات من اللا يقين ترصدها عين الثقافة حتى يتم بعد ذلك كشف اقنعتها والاستدلال على دروبها . بيد انها اضحت في بلادنا وكانها العنوان الاكثر تأثيراً داخل نظام الروح العراقي حيث يوجهه نحو هذه الوجهة الغريبة من العدم واللا شيء .
       وفي التجارب البشرية المشابهة فان التفاتا الى التربية والمناهج الدراسية وشخصية المعلم قد اثمرت خلاصا من كابوس اللايقين الذي لا يستطيع ان يبني حتى بيتاً من بيوت العنكبوت .

قد يهمك أيضاً

استضافة : شركة المرام للدعاية والإعلان