التقارير

مأوى مثقفي وأدباء وفناني وكتّاب بغداد (الكمكخانة) قديماً و(المتنبي) حديثاً

 

علي عبد الكريم حسون

إعتادت شعوب العالم أن تقتني الكتاب من رفوف المكتبات شراء أو إستعارة, فكان هناك تخصص ببيع الكتب وتأسيس مكتبات أهلية لبيعها. صحيح أنها تجارة وباب للرزق, لكنّ أغلب أصحابها كانت علاقتهم بالكتاب, محبّة وهوى واستغراقاً بالمطالعة لا بل بفهرستها.

ومع التطور العلمي ودخول التكنولوجيا, عالم الكتب وتأسيس دور النشر كمؤسسات, وتطور صناعة الكتاب طباعة وتنضيداً, وتعدد معارض الكتاب, وانفتاح أهل العراق بعد 2003 على عالم الانترنت. كان المتوقع تراجع أهمية الكتاب قراءة واقتناءً، وبحكم الواقع أيضاً على ثقافة (كتاب الرصيف) الذي افترش الأرض في التسعينات من القرن الماضي, في شارع حمل أسم المتنبي. لكننا شاهدنا العكس, فها هي أيام (الجمع) بساعاتها الست الصباحية لا تزال تزهو بروادها, وبقي الرصيف يحتضن الكتب على شكل (بسطات) ليكون بمتناول أهل بغداد.

زمن المقبور, كان لمثقفي وأدباء وفناني وكتّاب بغداد, مأوى وحيدا في شارع حمل أسم (الكمكخانة) قديماً والمتنبي حديثاً, والممتد بزاوية قائمة مع سوق السراي, رديفه الحديث القديم, وبمدخليه المطلين على شارع الرشيد من جهة القشلة من الجانب الآخر.

إحتارت أجهزة أمن النظام الفاشي في إيجاد طريقة للمنع أو الحد من هذا التواجد الكثيف للمثقفين في (جمع المتنبي). إعتقلت بعض رواده وحققت مع أصحاب البسطات   وإستدعت آخرين منهم إلى غرف الأمن, ولفقت للبعض تهما أخرى.. وأرادت إحتواء الشارع بضخ بعض مطبّليها فيه, وخصصت ضباط أمن للإشراف على حركته ومراقبة الداخلين والخارجين منه، نعم أصابت الصدمة هذه الأجهزة, عندما اكتشفت أن المستنسخ لايقتصر على الكتب الأدبية والفنية, بل تعداه إلى الكتب الممنوعة لكتاب تقدميين وعلمانيين وديمقراطيين وليبراليين. فهاهي كتب: سيد القمني ونصر حامد أبو زيد وخليل عبد الكريم ونجم محمود (صاحب كتاب المقايضة) ومجلات وجهات نظر والثقافة الجديدة ورسالة العراق وبيانات وبلاغات الشيوعيين في الخارج وكردستان. تصل وتستنسخ وتباع وتوزع سراً وبشكل شبه علني.

(الأشجار تموت واقفة):

نعم فالموت وقوفاً يليق بقامة شامخة كأبي ربيع أبن الغراف والشطرة, النافي نفسه لبغداد, بعيداً عن مدينته منذ الستينيات ولغاية موته ومغادرته لنا جسداً, عاش الشطري نعيم في شارع المتنبي ولم يغادره أبداً, بل غادر عش الزوجية, وبقي لصيقاً بمحله الذي هو عبارة عن شق أرضي على شكل مسطرة, وغرفة حقيرة تأويه ليلاً.

عاش نعيم ألشطري, بكبرياء وشموخ, لم تنل منه مضايقات أمن صدام, ولا شظف العيش، وصوت جهوري يعلن عبره عن مزاد كتبه, فيقدم للكتاب الّذي يبيعه. فبقيت كرامته خطاً احمراً, لايسمح بتجاوزه, فلم يقبل من أيّ منا, نحن أصدقائه المقربين منه أي معونة مادية، كان لنا مأوى وهو بلا مأوى.

في يوم الجمعة التاسع والعشرين من حزيران 2012, كان التأبين في الشارع وأمام محله (محل الكتبي نعيم الشطري) من محبيه وأصدقائه والمارين صدفة أو تقصداً. كان هناك شعراً يُتلى وقصائد تُلقى, وكلمات فيها من العهد على مواصلة درب الكتاب والثقافة الشيء الكثير.

لازلنا نحنُ طلبة الجامعات في حقبة الستينيات نحّن لأيام تجوالنا بحثاً عن مصدر علمي لبحوثنا فيتلقفنا المرحوم حسن الفلفلي موجها إيانا نحو الزاد الثقافي بمحل كتبه المتواضع في سوق السراي.

كلمة تركية أطلقت على الشارع زمن الأحتلال العثماني لوقوع المخبز العسكري فيه.

وأشهر (البسطات) بسطة الأستاذ صباح محمد علي أبو سوران مدرس التأريخ والتارك وظيفته زمن تبعيث التعليم مفضلاً بيع الثقافة ككتب ومعرفة، ويوماً ما اضطر لبيع ربع كتب مكتبته ليشتري بثمنها بيتاً بائساً في محلة الصدرية بشارع الكفاح ليأوي به زوجة محترمة وولدين. وكذلك بسطة إبن مدينة الثورة علي خنجر أبو أمير والذي واصل تعليمه ليتخرج محامياً. وبسطة الدكتور عبد الهادي سعيد وأخيه, وبسطة كريم حنش الذي حوّلها بعد ذلك إلى مكتبة عامرة, كذلك بسطة الرائع الذي زودّنا بالكتب الممنوعة سعدون هليل أبو محمد, وبسطة مازن لطيف الشاب المتواصل مع الثقافة.

قد يهمك أيضاً

استضافة : شركة المرام للدعاية والإعلان