عشرات الغرف والصالات مرتبطة ببعضها البعض، أفنية وشرفات تطل على ساحة “الحرملك”
بين أركانها نسجت قصة الحب بين سليمان وهيام، وعرف صراع الحريم أوجّه
متحف الرسول اثار جدلا في الأوساط الإسلامية، لاتهام تركيا باستغلاله للترويج لسياحتها
اسطنبول: من محمد الفاتح
لا يمكن لسائح أن يزور عاصمة دولة العثمانيين دون أن يعرّج على قصورها ومساجدها، إلا أن قصر “توب كابي سراي” أو كما يعرف بـ«الباب العالي” يبقى الوجهة المفضلة لملايين السياح، خاصة أنه اكتسب شهرة منقطعة النظير بعد بث المسلسل التركي “حريم السلطان”، الذي يروي سيرة السلطان سليمان القانوني. بمنطقة السلطان “أحمت” مثلما ينطقها الأتراك، أو السلطان أحمد في اسطنبول، عند القرن الذهبي يطل “الباب العالي” على بحر مرمرة، وكل من يزور تركيا سيجد نفسه مجبرا على الوقوف أمام الباب العالي، لاستكشاف بقايا سلاطين العثمانيين.
لا يمكن لسائح أن يزور عاصمة دولة العثمانيين دون أن يعرّج على قصورها ومساجدها، إلا أن قصر “توب كابي سراي” أو كما يعرف بـ”الباب العالي” يبقى الوجهة المفضلة لملايين السياح، خاصة أنه اكتسب شهرة منقطعة النظير بعد بث المسلسل التركي “حريم السلطان”، الذي يروي سيرة السلطان سليمان القانوني. بمنطقة السلطان “أحمت” مثلما ينطقها الأتراك، أو السلطان أحمد في اسطنبول، عند القرن الذهبي يطل “الباب العالي” على بحر مرمرة، وكل من يزور تركيا سيجد نفسه مجبرا على الوقوف أمام الباب العالي، لاستكشاف بقايا سلاطين العثمانيين.
قبل زيارتنا إلى تركيا وبمجرد طرحنا الموضوع على هيئة تحرير “بلدنا”، أصر رئيس التحرير على أن نزور قصر “توب كابي” الذي احتضن بين جدرانه قصة المسلسل التركي الشهير “حريم السلطان”، خاصة وأن الأخير أثار موجة من النقد لدى أهل الاختصاص والإعلاميين في تركيا، مع أنه استقطب ملايين المشاهدين في الوطن العربي.
“توب كابي” محمد الفاتح يرسو بخلافته في اسطنبول
في اليوم الأول من وصولنا إلى اسطنبول، أصرينا أن تكون أول محطات زيارتنا إلى قصر “توب كابي”، لاكتشاف “عرين” السلطان الذي ألهم وأبهر الملايين من المشاهدين عبرعدة بلدان. لاحتضان سحر الجمال الشرقي على مرّعقود.
بمجرد وصولنا أحسسنا برهبة أمام الباب العالي، والذي شيدت بجانبه خطوط بزخرفة وتنميق لا مثيل لهما يعود تاريخهما إلى 1478م. القصر الذي شيّده السلطان العثماني محمد الفاتح بعد دخوله القسطنطينية، واتخذ من اسطنبول عاصمة لدولته في أواخر القرن الرابع عشر الميلادي، ليصبح منذ ذلك الحين مقراً للسلاطين العثمانيين الذين تعاقبوا على كرسي الخلافة بالإمبراطورية العثمانية وطيلة سنوات حملاتها للفتوحات الإسلامية.
ظننا في البداية أننا لن نجد إلا السياح العرب، الذين اتخذوا من تركيا وجهة سياحية مفضلة بعدما غزت الدراما التركية شاشات التلفزيون، إلا أننا وجدنا سياحا من كل بقاع الأرض، أتوا ليقفوا على أطلال العثمانيين.
ولجنا القصر من الباب الرئيسي “الباب الهمايونى” أو كما يسمى بباب السلطنة، حيث كان بعض العسكر على مشارف البوابة العملاقة، الأمر الذي يعطي للزائر فكرة عن الأهمية التي توليها السلطات التركية لهذا القصر الذي يعد جزءا لا يتجزأ من ذاكرة الأتراك.
حدائق غنّاء وجنة اللّه في الأرض..
بعد اجتياز البوابة الرئيسية تراءت إلينا حدائق القصر الغنّاء، بأشكال وتصميمات مختلفة بشكل أوحى على ما يحتضنه “توب كابي” من أسرار عبق التاريخ، وعلى جنبات الممر الرئيسي كان السياح يتساقطون الواحد تلو الآخر على العشب، بعدما أنهكهم التعب، فالقصر كما أكدت دليلتنا السياحية “كارولينا” يتربع على مساحة كبيرة، ولا يمكن لأي شخص مهما بلغت طاقة تحمّل التجوال بكامل القصر في يوم واحد، حتى إنه في زمن السلاطين كانت هناك عربات خاصة تجرها الخيول للانتقال من جناح إلى آخر، وعندما تتجول داخله تحس أنه لن ينتهي، فهو مدينة بحد ذاتها.
وللقصر طرقات طويلة ومباني مترامية هنا وهناك، وكان أول مبنى دخلناه هو قصر العدل، هذا الجناح الذي اتخذه قاضي تلك الحقبة مقرا له، حيث كان يستقبل شكاوى الناس وتظلماتهم، وبين يديه يقف المتخاصمون ليعدل بينهم، وفي أعلى الحجرة كانت هناك نافذة وحيدة بشبابيك ذهبية. وحسب رسومات علقت في الحجرة، فإن السلطان سليمان كان في كثير من الأحيان يقف خلف النافذة ولا يظهر سوى ظله خلف الشباك، ليرى بأم عينيه مدى عدالة القاضي في الحكم بين المتخاصمين، كما هي الفرصة ليسمع ويرى المظالم والشكاوى التي ترفعها الرعية، بعيدا عن التقارير التي تصله من ديوانه الخاص.
بعد جولة قصيرة داخل مبنى العدل خرجنا لنواصل استكشاف القصر اللغز، غير أن ما كان يشغل بالنا في تلك الزيارة هو متى نصل إلى “الحرملك”. أثار انتباهنا بعد الخروج من دار العدل مداخن على شكل دائري ارتفعت من مبنى مقابل، ليتضح فيما بعد أن المبنى هو مطبخ القصر الذي كان عدد عماله فقط يقارب الألف، يعملون ويجتهدون لتقديم وجبات يومية لكل من يتواجد في القصر، خاصة السلطان وحاشيته بالإضافة إلى الضيوف الذين كانوا دائمي التردد على القصر.
في ساحة قصر “توب كابي” ينتصب عمود رخامي على علو يقارب 3 أمتار، وضع أعلاه رمح ووضعت أدراج للوصول إليه، وأثناء أخذنا للصور أمامه، كان سائح يتبادل أطراف الحديث مع مرافقته اتضح من لهجته أنه لبناني، ودون أي مقدمات خاطبني قائلا: “هي ساعة شمسية تبرز لك عبر الكرة الأرضية المنقوشة، وبظل الرمح يمكن معرفة أي بقعة من الأرض بالنهارأو بالليل”، ثم أضاف ضاحكا، هذا ما قرأت عنه، شكرته كثيرا على المعلومة، فكل سائح محترم يعرف على الأقل ما هو بصدد زيارته. والمثير أنه لما علم أننا من صحيفة عراقية سمى لي بعض المدن كالبصرة واربيل ونينوى، وأكد لي أنه حاول في عديد المرات زيارة العراق، لكن تعقيدات الحصول على التأشيرة حالت دون ذلك.. تأسفت له بابتسامة داعيا له أن يتمكن من زيارة العراق، وأنا في نفسي أقول: “حتى العرب لم يسلموا من بيروقراطية نظامنا الديمقراطي جدا”.
أهلا وسهلا بك في ضيافة السلطان سليمان
دخلنا بابا آخر بعد استراحة قصيرة في إحدى حدائق القصر، فالحرارة كانت مرتفعة، وهناك الكثير ممن خانتهم قواهم وأنهكهم الصوم، إلا أن كل ذلك يهون في سبيل الوصول إلى حجرة “هيام”.
أشارت علينا دليلتنا السياحية بالدخول إلى الحمام للاغتسال، علّ ذلك يخفف عنا، وكم كانت دهشتنا كبيرة لدى دخولنا إلى الحمام الذي وجدناه أحسن بكثير من الحمامات ودورات المياه المتواجدة بأفخم فنادقنا، والشعار الذي يرفعه المشرفون على القصر هو توفير كل الراحة للسياح، وهنا يكمن اللغز في نجاح التجربة السياحية التركية.
مباشرة بعد ذلك، وجهتنا مرافقتنا إلى قاعة كبيرة زيّنت مدخلها آيات قرآنية، وداخلها كان هناك سرير ضخم منمق بغطاء أحمر ياقوتي، فصل بينه وبين الرواق بحائط زجاجي، واكتشفنا أنها “مضيفة” السلطان سليمان، حيث كان يستقبل الضيوف العاديين وعامة الناس للنظر في شؤونهم، وهو مستلق على سريره، الذي يتسع لـ15 شخصا على الأقل، ولدى سؤالنا عن ذلك قيل لنا: “ببساطة لأنه السلطان سليمان”، لذا فالظاهر أن سلطاننا المبجل لم يكن يقتنع بأي شيء عادي، سواء في النساء أو اللباس وحتى المرقد.
رائحة الرسول وأثار الأنبياء.. أقداس المسلمين
خرجنا من قاعة سرير السلطان، لنتوجه بعد ذلك للمتحف الذي يحوي على بقايا أغراض الرسول محمد صلى اللّه عليه وسلم، وعلى بعد أمتار منه، كان صوت شجي يرتل القرآن الكريم ترتيلا، ظننا في بداية الأمر أنه صوت مسجل لأنه لم يكن يتوقف بتاتا، إلا أنه بعد دخولنا وجدنا إماما تركيا جالسا في صحن الدار، يتلو آيات بيّنات من الذكر الحكيم. وعلى من يرغب في الدخول إلى المتحف احترام قدسيته، خاصة من حيث الهندام، إذ يشترط على كل امرأة ترغب في الدخول وضع “شال” لستر ما تيسر من جسدها، وكان الوضع أكثر تعقيدا لمجموعة من السائحات الأوروبيات اللاتي قدمن من أوكرانيا، حيث وجدن أنفسهن مجبرات على وضع عدة “شالات” على الجسم الواحد.
مجرد الدخول إلى الصالة يجعلك تشعر برهبة، ربما لحاجيات الرسول عليه الصلاة والسلام التي لا تقدر بثمن. صحيح أنه سبق لنا وأن شاهدناها عبر التلفزيون أو الأنترنت، ولكن أن تقف أمامها فذلك شعورآخر، ومهما وقفت تتأمل آثار قدم رسول اللّه محمد، أو قدح الماء الذي شرب منه، فإنك لن تمل، وحتى غير المسلمين ممن كانوا يشاركونا في استكشاف المكان، أبانوا احتراما كبيرا لسيد الأنام.
أخذنا نتفحص بقايا مقتنيات الرسول عليه الصلاة والسلام، والتي جلبت من شبه الجزيرة العربية كهدايا للسلاطين العثمانيين، وحفظت في خزائن زجاجية، تعرض للزوار، ومن بينها نعل الرسول الكريم وعمامته وجبّته وأثر القدم اليسرى التي أحضرت من القدس من قبة الصخرة، بالإضافة إلى صورة عن الرسالة التي بعثها الرسول الكريم إلى هرقل عظيم الروم، ومكحلته التي كان يستعملها لتكحيل عينيه الشريفتين وعمامته، وكذا بردة ابنته فاطمة الزهراء “ع”، وبقايا من شعر لحيته، وختمه. ولم تقتصر المقتنيات المعروضة على حاجيات الحبيب المصطفى فقط، بل إن بعض آثار الأنبياء وضعت هي الأخرى كعمامة سيدنا يوسف عليه السلام وعصا موسى وبقايا من ذراع نبي اللّه داوود وضعت داخل ذراع ذهبي، بالإضافة إلى مفتاح وباب الكعبة المشرفة.
أما في الغرفة الثانية فكانت عباءة سيدنا الحسين “ع ” تتوسّط لوحا خشبيا كبيرا، في حين عرضت سيوف رسول اللّه “ص” وعلي بن أبي طالب “ع” وعمر”رض” وغيرهم من الصحابة الكرام، وكم كان بودّنا أن نأخذ صورا للذكرى، لكن إدارة المتحف تمنع ذلك.
ويولّد متحف أثار الرسول جدلا في الأوساط الإسلامية، خاصة وأن هناك أصواتا اتهمت تركيا باستغلالها للترويج لسياحتها، في حين يذهب آخرون للتشكيك في أن تكون تلك الآثار تخص الرسول عليه الصلاة والسلام، في وقت اتخذ آخرون من المكان فرصة للتبرك والدعاء.
ونحن نتجول في المكان استرقنا السمع من سيدة سورية كانت تشرح لابنتها قيمة وأهمية آثار الرسول، إلا أن ابنتها كانت تردد باستمرار “ماما إمتى بنروح ع حريم السلطان؟”.
“الحرملك” وعشق حريم السلطان
خرجنا من متحف آثار الرسول الكريم ونحن نتساءل في حال بقيت هذه الآثار عند العرب، لحتما كانت الآن في المزاد العلني تنتقل من أمير إلى آخر. ورغم أن التعب قد نال مراده منا، إلا أننا أصرينا على دخول “الحرملك”، أو “قصر الحريم” ولو بالحبو، بعد أن دفع لنا مرافقونا ثمن التذكرة التي تقارب20 يورو.
هنا بين جدران “الحرملك” عاش السلطان سليمان، رفقة والدته وزوجاته ومحظياته وجواريه وخدمه وغيرهم، وهنا نسجت قصة “حريم السلطان”.
عشرات الغرف والصالات مرتبطة ببعضها البعض، أفنية وشرفات تطل على ساحة “الحرملك”، معظمها كانت مزيّنة بنقوش ورسوم مميزة في ديكور مطابق تماما لما شاهدناه في المسلسل، كالمداخن وشبابيك الغرف.
دخول “الحرملك” كان محرما على الجميع باستثناء السلطان وأفراد الأسرة الحاكمة، وحتى الخدم الذين كانوا يسهرون على راحة السلطان وحريمه، كانوا من النساء، باستثناء بعض الغلمان ممن تربوا داخل القصر وتم “إخصاؤهم”، حتى يستطيعوا التجوّل بحرية أمام الحريم.
وحسب دليلتنا، فإن “الحرملك” كان يضم 400 جارية موزعات على عدة أجنحة، وكان هناك جناح خاص يقع في الطابق الأول مخصص للجاريات المحظيات ممن اختارهن السلطان. وعملية الاختيار كانت تتم في الفناء الداخلي، حيث يمر السلطان خلف شباك يحيط بالفناء، ومن ورائه يختار “جواريه”.
وكانت ساحة الفناء تطل على حدائق غنّاء، ولدى اقترابنا من “الشرفة” لمحنا أسفلها مسبح حجري كان بعض العمال بصدد ترميمه، ولدى سؤالنا عنه، أخبرتنا “مرافقتنا” أنه مسبح أنشأه السلطان لجواريه، وكان يستمتع برؤيتهن يسبحن فيه من أعلى الغرف المطلة عليه، ولكن السؤال الذي طرحناه، “هل الجواري كن يسبحن بالمايوه الغربي أو بالمايوه الإسلامي؟”.
واصلنا استكشاف معالم الحرملك، بينما كان كل رجل يمنّي نفسه ويحسد السلطان سليمان، بينما تمنّت كل واحدة هناك أن يعود بها الزمن إلى عصر سليمان لتكون إحدى جواريه، حتى تنافس هيام.
ورغم مرور قرون وقرون، إلا أن غرف “الحرملك” حافظت على ديكورها وتصميمها الذي يتطابق في كل أرجائه، وببعض الغرف عرضت تماثيل ومجسمات لشخصيات عاشت فيها. وبين أركانها نسجت قصة الحب بين سليمان وهيام، وعرف صراع الحريم أوجّه، حول من تنفرد بالسلطان وتؤثر فيه. غادرنا “الحرملك” بعدما نال التعب منا، ونحن نحمل أنفسنا على صور لمظاهر الحياة التي عاشها السلطان العثماني.









