رحيل “المعلم” أحمد المهنا
فاضل النشمي
رحل الصحافي العراقي أحمد المهنا، الذي يطلق عليه أصدقاؤه الذين عملوا معه في بغداد لقب “المعلم”، وهو في مستشفى بالعاصمة البريطانية بعد صراع مع مرض عضال استمر لأشهر. وقد نعاه الوسط الإعلامي العراقي رسميا بعد إعلان نبأ وفاته ليلة الخميس الماضي، وسارع كثير من الصحافيين إلى إعلان حزنهم وكتابة عبارات التعزية لأسرته والأسرة الصحافية عبر مختلف مواقع التواصل الاجتماعي.
يعدّ المهنا واحداً من ألمع الصحافيين العراقيين، إن لم يكن ألمعهم على الإطلاق. ولم يطلق عليه لقب “المعلم” جزافا، لأن جيلا من ألمع الصحافيين العراقيين تخرّج على يديه من خلال عمله في قناة “الحرة عراق” في مكتبها ببغداد، وفي صحيفتي “الصباح الجديد” و”العالم” البغداديتين.
يقول الشاعر والناقد فوزي كريم عن المهنا إنه “كان كياناً عقلياً، ينجذب إلى الأفكار، لا قلبياً ينجذب إلى الشعر. فإذا اقترب منه الشعر أو الأدب جملةً، وكثيراً ما كانا يقتربان، سخّرهما إلى فاعلية التحليل والتركيب العقليين”. وإن “نشوة المعنى في اللغة هي دليل أحمد إلى المفكر الذي يبدو شاهداً حياً لها”.
ويضيف “كان لا يحب أن ينقطع عن العمل الإعلامي (صحافة، إذاعة، تلفزيون)، ولا عن القراءة. وكلاهما لديه حقل اختبار. ولذاذة هذين حالت بينه وبين الكتابة المتواصلة”.
اضطر المهنا إلى الهجرة خارج البلاد عام 1979 لأسباب سياسية، على الرغم من عدم انتمائه لأية جهة أو حزب سياسي، وبقي وفيّا لهذا الاتجاه حتى وفاته.
بدأ سيرته الصحافية محرراً في صحيفة “فلسطين الثورة” في بيروت عام 1980، وفي أعوام 1981 ـ 1983، عمل محرراً في وكالة الأنباء الفلسطينية “وفا” في دمشق. بعد ذلك انتقل إلى نيقوسيا في قبرص ليعمل محرراً في مجلة “الأفق” في الأعوام بين 1983 -1987.
وفي بداية عقد التسعينات عمل محرراً في صحيفة “القدس العربي” في لندن التي استقر بها، ثم عمل محرراً في “راديو الحرية” وصحيفة الشرق الأوسط اللندنية.
في الأعوام بين 1999 – 2003، التحق بالعمل التلفزيوني، فعمل معدّاً ومقدماً للبرامج في قناة أبو ظبي الفضائية، التي قدم فيها برنامجا متميزا بعنوان “بين زمنين” تناول حياة ملوك ورؤساء عرب راحلين، وكشف أوراقا ووثائق خاصة ومعلومات فريدة عن تلك الشخصيات، وما آلت إليه عائلاتهم اليوم.
ثم عاد إلى العراق بعد الغزو الأميركي بعام، ليلتحق في 2004 بقناة “الحرة عراق” مديراً تنفيذياً لمكتبها في بغداد، وقد عُرف عنه احتفاؤه الكامل بالكفاءات الصحافية وانحيازة التام لشروط المهنة وعدم الانحياز الشخصي.
استقال من قناة الحرة عام 2007، وفي عام 2008، أصبح رئيس التحرير التنفيذي لصحيفة “الصباح الجديد” في بغداد، ثم أسس في عام 2010 صحيفة “العالم” التي حققت حضوراً متميزاً في عهده الذي استمر سنة واحدة.
واظب المهنا على كتابة عموده الصحافي “أحاديث شفوية” على امتداد السنوات السبع الأخيرة في صحف عراقية هي: الصباح الجديد، العالم، والمدى.
أصدر ثلاثة كتب هي: كتاب “الإنسان والفكرة”، وكتاب “الأمر رقم 1: قصة اجتثاث البعث في العراق”، وله أيضا كتاب “تأملات صغيرة في هموم كبيرة” لم يسعفه الحظ في طباعته، وغادر عالمنا ليلة الجمعة 25 تموز/يوليو 2014.
شهادات كثيرة صدرت من اعلاميين ومقربين منه ولأنه اوسع من ان تحيطه شهادات اقرانهم بوصفه مدرسة لخلاصة اكثر من جيل ارتأينا الاقتصار على أهم ما قاله الأدباء والكتّاب والصحافيّين بحقه:
“وداعاً عزيزي أحمد المهنا. كنت أوّل من كتب عن الانقلاب العراقيّ بعد سقوط الطاغية على يد قوات الاحتلال الأميركي. وأوّل من حاول تفكيك هذا الانقلاب داخل الوعي الجمعيّ للمجتمع العراقيّ الحديث، وداعا ايها المربي الكبير، والانسان المرهف الحس، والمعلم الذي لا ينضب فكره، تعلمت منك ان الصحفي مانفك يتعلم، ويبقى يتعلم، كنت وطنيا تحمل هما للسومريين اكثر من سومر، العزاء لنا بفقدك ايها الطيب”.
علاء هادي الحطاب
“ماذا أقول؟ ستبقى معنا ما دمنا لانزال نرطن بمفاهيم الدولة المدنيّة والحريّة الفرديّة وحقوق الإنسان ومشاعية المعلومة في وسائل الإعلام وحريّة المعتقد وفصل الدين عن الدولة”.
فيصل لعيبي
“أحمد المهنا.. شمعة أخرى تنطفئ في ليل العراق الطويل.. الطويل..
وداعـاً يا صديق المنفى.. والأحلام المذبوحــة”
برهان شاوي
“الآن وقد رحلت.. يا ذا النفس الطيبة. فإنني مدين ثانية للاعتراف بانّني تعلّمت منك الاعتدال في الثقافة والسياسة.. ومعنى أن تكون الطائفية ماسخة لإلتذاذنا بالعالم الكبير..
روحك طيبة أحمد المهنا.. أيّها الراحل. وأنا مدين مدين”.
سرمد الطائي
“وداعاً أحمد المهنا، أيّها المعلّم، ما زلنا بحاجة إليك. وكأنّنا بلا حزن أصلاً، وكأنّنا بحاجة الى المزيد من الأسى.
سأتذكرك ما حيّيت”.
أحمد سعداوي
“حتى في رحيلك ضحكت من الموت.. صحبتك الابتسامة وأجمل ما في الحياة.. وداعاً أستاذي فقد تركت لي كثيراً من الفرح والحبّ والأمل في حياة أفضل.. أحمد المهنا.. نم خالداً أينما تكون الآن”.
قيس العجرش
“لا اقول ان احمد المهنا ترك بصمة في الاعلام بل هو بحد ذاته بصمة اعلامية مستقلة لا تنافسها بصمات اخرى”.
صباح زنكنة
3
أحمد المهنا لم يشتم أمريكا
خالد القشطيني
بعد سنوات من البحث والمقابلات والعمل الوثائقي، طلع علينا الكاتب والصحافي العراقي أحمد المهنا بكتابه (الأمر رقم واحد). سمعنا من قبل بالبيان الأول الذي اعتاد الانقلابيون والثوار على نشره، حالما يتسلمون الحكم ويعلنون انتهاء (العهد البائد). غير أن من تسلموا الحكم من يد الأمريكان عام 2003 لم يصدروا البيان الأول، فهم لم يقوموا بأية ثورة ليصدروا بيانا فاكتفوا بالأمر رقم واحد. لم ينطق بأي شيء بالنسبة للعهد الجديد، وما سيحمله من خيرات ومساواة ومسرات. انصب على شيء واحد: اجتثاث البعث. بعبارة أخرى، الثأر والانتقام ممن سلفوهم في الحكم ولم يشاركوهم في اقتسام الكعكة. طلب الثأر شيمتنا في الحياة، شخصية كانت أو عامة. ولكنه هنا أخذ أسبقية لم تسبقها سابقة في التاريخ. الكتاب سلسلة من المقابلات مع أصحاب العلاقة، أي من حظوا بالكعكة الآن وراحوا يتعاركون على اقتسامها، فالأمر رقم واحد لم يتعرض لهذا الموضوع وإنما ركز على الانتقام من البعثيين. فالثأر عندنا كثيرا ما يكون أحلى من أي كعكة، حتى لو كان حشوها 5.3 مليون برميل نفط يوميا.
بيد أن الكاتب ينقلنا إلى موضوع آخر له أصداء في الأيام الأخيرة التي شهدت نوعا آخر من روح الثأر تمثل في الهجمات على المؤسسات الأميركية ومن فيها من دبلوماسيين. كان الكاتب قد عرض كتابه (المسألة العراقية) على دار نشر في مصر. وجرى التعاقد مع الدار على نشر الكتاب، بيد أن الناشر سرعان ما تراجع عن عرضه لسبب بسيط، وهو أن الكاتب لم يشتم أمريكا في الكتاب، أو كما قال: (لم أقُم بواجب التعوذ من أميركا ولعنها)، بل وأعرب عن ميله إليها في قيامها باحتلال العراق. الله أكبر والعياذ بالله!
شتم أمريكا والغرب عموما شيء تعودنا عليه وشاركت فيه. هذه مثل التعوذ من الشيطان عند المسلمين. كره الغرب ظاهرة جيوسياسية تمتد لقرون كثيرة وترتبط بالنزاع الجيوفيزيائي بين جانبي البحر المتوسط. الغربيون يكرهوننا وبعضنا يكرههم. ارتبطت الحلقة الأخيرة من هذا الكره لهم بتآمرهم على مستقبلنا خلال الحرب العظمى (حكاية سايكس بيكو) ثم إصدار وعد بلفور. تنفيذ هذا الوعد أضرم نار جهنم في قلوبنا ضدهم. وازدادت استعارا ضد أمريكا بصورة خاصة لوقوفها الشديد بجانب إسرائيل. تعمق هذا الكره خلال الحرب الباردة بهيمنة الفكر اليساري على الساحة العربية. وكلما حاولت واشنطن ترضيتنا والتصدق علينا نسفت محاولتها وتجدد كرهنا لها حالما أثير أي موضوع يمس إسرائيل في مجلس الأمن. وهل اجتمع مجلس الأمن عاما من دون إثارة هذا الموضوع ومن دون استعمال أمريكا حق الفيتو؟ ووقع زميلي المسكين أحمد المهنا في هذه النار المستعرة. كيف يا رجل تكتب كتابا ولا تشتم أمريكا فيه؟
العربي الثاني الذي لم يشتم أمريكا في هذه الأيام كان شحاذا في كورنيش القاهرة. مرّ به سائح أمريكي فتصدق عليه بورقة مائة دولار. أمسك بها الشحاذ وقال: خواجة، الله ينصرك على من يعاديك..!
4
أحمد المهنا.. الحلم والإدارة
عبد العظيم البدران
القدرة على الحلم لا تعني قدرة موازية على الإبداع، فثمة ما يمكن إن يترجم الحلم إلى واقع، وهو، باختصار: القدرة على العمل. والقدرة تلك لا تبدأ بمقاسات حلم وسط فوضى الكلمات والأشياء والمواقف. الحلم في مراحل التحول لا يطابق الواقع البتة، فثمة مخيلة تؤلف بين الرغبة والطموح والأمنيات والتأريخ، يقابلها اهتزاز، وتحول، وإيقاع متسارع في اتجاهات دونما بوصلة، نطلق عليها جزافا (حلماً). إنها الفوضى الخلاقة، بيد أن الخلق بحاجة إلى حسن الإدارة في بناء التراكيب المنتظمة والفوضوية وإعادة إنتاجها بمقاسات الحلم.
من هنا، تبدأ حكاية أحمد المهنا، في بناء (حلم) المؤسسة الصحفية بعد العام 2003، فالتحولات السياسية، والصراع الديني، والرهانات الثقافية، وحجم المؤثرات والتدخلات الجانبية بفرض الوصايا أو التخلص من طائلتها، وكم الإنتاج الإعلامي الهابط والمرتهن لإيديولوجيا الممول، وأكثر من ذلك بناء المؤسسة وهرميتها وهيمنة الرمزية واستحقاقاتها المفترضة، بما في ذلك المؤسسة الصحفية، كانت كلها عوامل تقوض من حلم البناء، وتجعل مهمة في هذا السبيل أشبه بمغامرة.
وما يعني خلق مؤسسة (ناجحة) وسط كم المقوضات هذا، هو قدرة متفردة على حسن الإدارة الصحفية.
إن السلوكيات المميزة في إدارة المؤسسات الإعلامية والصحفية لم تنتج من وحي الصدفة، فهناك نموذج في أخلاقيات الإدارة، عمل بمعزل عن استحقاقات البناء الوظيفي للمؤسسة وكم اللوائح والواجبات وتقسيم المهمات وتحمل الأعباء، واستقام بعيدا عن التبعات المؤسسية ومرجعياتها، تمثل في ممارسة مهمات الإدارة والإنتاج الإعلامي والصحفي في آن واحد، والقدرة على استقطاب وبناء النماذج الإعلامية الناجحة، والاندكاك بالواقع والتفاصيل اليومية للمؤسسة مع الاحتفاظ بالخطوط العريضة للأداء والمسؤولية، والاستقلال عن مصادر المؤسسة بعدم اجترار خطابها وقولبته في مفردات الأداء المهني وجعله الوثيقة الأسمى.
يشير الصحفي الانكليزي ماكس هيستنغز، رئيس التحرير الأسبق لصحيفة ديلي تيلغراف (1986 ـ 1993) والمحرر الأبرز في BBC ، إلى أن خلاصة تجربته لإدارة ديلي تيلغراف وما حققته من نجاحات باهرة هي في قدرته على استقطاب الكفاءات وعدم استبعادها، وغبطته لنقل تجربته الصحفية الى الملاكات المتعلمة واعداد جيل لامع من الصحفيين، من دون أن تمثل نجاحاتهم مصدر غيرة وحسد بفقد الموقع، وأكثر من ذلك في قدرته على الاستماع للآخرين من دون ان يتكلم عن نفسه.
وإذا ما استطعنا ان نقارن ما سلف بشخصية أحمد المهنا الإدارية، يمكن الاشارة الى جملة موارد كانت النموذج الفعلي في استنساخ تلك التجربة التي طالما تصورتُ هيستنغز وهو يتحدث كأنه يصف المهنا، أو ان الأخير هو من يتحدث عن تجربته، تلك التجربة التي عبر عنها المهنا وهو يردد، باستمرار، أبياتا من شعر السياب تمثل قمة التوصيف لمبدأ الغيرية (ضد الأنانية):
“حين عريت جرحي
وضمدت جرحا سواه
حطّم السور بيني وبين الإله”
ويمكن إيجاز أهم الانطباعات، التي تكونت من العمل بمعيته، عن ملامح شخصيته الإدارية، في:
ـ أن ثمة توازياً بين إدارة المؤسسة والإنتاج الإعلامي والصحفي الشخصي، اذ أنتج خلال مدة توليه إدارة مكتب قناة (الحرة) ببغداد العديد من الأفلام الوثائقية التي حافظت على الحبكة الدرامية العالية والمفردة المميزة، زيادة على ان طبيعة البرامج المنتجة لم تكن في سياق ملء الفراغ بقدر احتوائها على بصمة اداء واضحة من حيث التميز والندرة والتوظيف العالي والمهني.
ـ عدم اللجوء إلى حلقات وسيطة بين الإدارة والملاك الصحفي، تمثل التراتب الوظيفي، حتى مع إيجاد التوصيف لذلك. ولعل أكثر العبارات دلالة على ذلك ما كان يردده من أن “المكاتب والسكرتارية ما هي إلا حالات إفساد للمؤسسة الإعلامية”.
ـ ثمة أبوية عالية في احتضان الملاك ومنح الإحساس الفعلي بانتماء الشخص الى المؤسسة، واحترام القرارات الذاتية والمسؤولة للأشخاص، فلم تشهد المؤسسة، طوال مدة عمله فيها، أية رقابة على حرية المادة المنتجة فكريا، وان كانت ثمة توجيهات، فهي في سياق لا يخرج عن دائرة اللطف المحبب.
ـ تمتع الشخصية بقدرة الاستقلال الوظيفي وإيجاد مرجعية فعلية تنتهي عنده، دون ان تفرض تبعاتها على الموظفين والملاكات العاملة، وهو ما أعطى للمؤسسة انطباعا بعراقيتها واستطاع ان يفرض من خلال ذلك سياساته الإدارية.
ـ القدرة المتفردة على خلق الملاكات الإعلامية وتوجيهها، فهو يتحلى بنظرة ثاقبة في معرفة إمكانات الشخصية الإعلامية والصحفية، وقدرة مضاعفة على تطوير مهارتها واختيار المجال الذي يمكن الاستفادة منها خلاله.
ـ الحيادية العالية في نقل المعلومة ودقة متابعتها، وتوظيفها بعيدا عما يثير حفيظة الخصوم، في فترات مثلت قمة التحدي والشد الطائفي في البلاد.
تلك الملاحظات وسواها مما أغفلت، هي من جعل إمكان الحلم ان تدنو من عالم الواقع، بل وان تثمر قطاف مازالت بصمته تشكل حضورا مميزا وواضحا. فالقدرة على إدارة المؤسسة على وفق المعايير المشار إليها، في آتون الصراع الطائفي وإغفال الدور الحقيقي للدولة في مرحلة التحول السياسي وانعدام الشعور بالأمن، كان بحاجة الى إدارة حكيمة تمكنها من فرض قناعاتها والحفاظ على وجودها الأعزل، وأكثر من ذلك خلق المؤسسات المبدعة على وفق المعايير المهنية العالمية.
ان ما يميز قدرة المهنا الفريدة على إدارة المؤسسة هو ما يضع علامة استفهام كبيرة حول العديد من المؤسسات التي تحولت الى أبواق صدئة، او تلك التي مازالت تنتج من الإسفاف والسخف مقابل حجم الإنفاق الهائل الذي تملكه، علاوة على طبيعة الخطاب الذي تتنقل في فيه المؤسسات الإعلامية اليوم رفضا وتأييدا.
ان إعلاما بحجم الحلم الذي انتظرناه كثيرا بعد 2003 سيبقى مجرد خاطرة، بانتظار ادارة واعية.. فما احوجنا اليك اليوم أبا زيد.
5
أحاديث شفوية: الحوار أم الانتحار؟









