تقرير / احمد الخطيب
في كل يوم في بغداد، يتكرر هذا المشهد أمام أعين الجميع في شوارع بغداد وتقاطعاتها المرورية، مجموعه من الاطفال الصغار يمارسون مهنة غسل السيارات بتلك الملابس الرثة وتحت أشعة الشمس الحارقة في فصل الصيف.
تجولت في بغداد واستطلعت آراء هؤلاء الصغار، وايضا كانت لنا وقفة مع الباحثين والمختصين في علم الاجتماع.
البداية كانت مع الطفل علي، البالغ من العمر 9 سنوات حدثنا قائلا: انا اعمل في هذه المهنة منذ أكثر من سنة، حيث اجبرت على ترك المدرسة حتى اساعد أمي وأخواتي بعد وفاة والدي نتيجة حادث تفجير اودى بحياته.
وأكد علي اننا نسكن في الايجار، وليس لنا معين، لأن والدتي كبيرة في السن لهذا لم أجد غير ان أعمل في تنظيف اليسارات، لأن هذا هو العمل الوحيد الذي يمكن ان اساعد به اهلي في الحياة وحتى لو بحثت عن عمل آخر فلا احد سيشغلني لانني ما زلت صغيرا .
وبوجه شاحب حدثنا الطفل مقداد عن معاناته اليومية قائلا: انا لدي منزل وعائلة، ولكن منزلنا بعيد عن مكان العمل الذي اعمل فيه، وانا اعمل في احد كراجات غسل السيارات.
ويؤكد ان “والدتي لا تقلق علي دائما، لانها تعلم اني سأكون بخير ولكن بالنسبة لي فانه لا فرق بين منزلي والشارع، لاني اذا جلست في المنزل فأن كثرة المشاكل عند عائلتي وعدم وجود الجو الدراسي الكافي جعلني انفر من البيت وألجأ للبحث عن عمل .
اما محمد، فلا يختلف عن الباقين، لأن والده موجود معه في نفس المهنة وهو يبلغ من العمر 10 سنوات. وحدثنا قائلا انا أحضر مع والدي كل يوم لكي نقوم بغسل السيارات فهو يتحمل السيارات التي تحتاج غسل المحركات او السيارات العالية التي لا استطيع الوصول اليها، اما انا فيكون اختصاصي السيارات الصغيرة في التقطاعات المرورية اما والدي فيتنقل بين الكراجات واصحاب المحال ليقوم بعمله.
واشار ان عملي هذا هو برغبة اهلي حتى نحصل على المال الذي يعيننا على قضاء يومنا، ولأن العمل هو الذي اجلب منه المال وليس الدراسة، اما الدراسة فهي لا تفيدني، لانها ستجعل اهلي في احتياج دائم .
ابو رضا سائق اجرة قال ان “مشاهد الاطفال في الشوارع والتقطاعات والمحال والكراجات مشهد نتألم حينما نشاهد اطفال في عمر الزهور يعملون بهذا الحر اللاهب، عندئذ نتمنى ان يكون هناك مسؤول يشاهد هذه الحالات المأساوية”.
واكد ابو رضا اننا “ندعو الحكومة والجهات التربوية الى النظر بحال الاطفال الذين تركوا اماكن دراستهم ولجأو الى العمل في شوراع بغداد ومحالها التجارية، وهذا أمر خطير بأعتبار ان بعض الاطفال سيتعاطون اموراً سلبية تؤثر على صحتهم”.
الباحث في علم الاجتماع محمد العبيدي قال ان “عمالة الاطفال تعد من اصعب المراحل التي يكون بها الطفل، ولها دور مؤثر على تطوره العقلي والجسدي والنفسي والاجتماعي للأطفال وتختلف هذا الحالة من طفل لآخر من حيث حجمها ومسبباتها وطرق معالجتها فقد نجدهم كباعه متجولين او يعملون في المعامل وغسل السيارات وتنظيف الشوارع”.
العبيدي اكد لوكالة انباء بغداد الدولية، ان لهذه الظاهرة تأثيراتها السلبية على الأطفال في عدة نواحي، منها الصحية، النفسية، الاجتماعية والتعليمية ، وذلك لأنها تنتهك حقوقهم الاساسية كحقهم في التعليم، وفي العيش بأمن واستقرار، حقهم في ممارسة حياة الطفولة بكل جوانبها فهي تحمل الطفل مسؤولية في وقت مبكر من العمر تكون لها تأثير سلبي على فترة النضوج التي غالبا ما يعيش الشخص في حالة اكتئاب نفسي.
اما الخبير الاقتصادي سالم البياتي فقد اشار الى ان السبب في انتشار هذه الظاهرة يعود الى الظروف الاقتصادية فانتشار الفقر والبطالة بين ارباب الأسر، وانخفاض مستوى الدخل او عدم توفر دخل أصلا، ادى بالأسر إلى العجز في تلبية الحاجات الأساسية لأطفالها، ما يسهم في دفع الاطفال نحو سوق العمل لمساعدة اسرهم ماديا.
واكد البياتي انه في بعض الأحيان يكون أجر الطفل بمثابة المصدر الوحيد، أو الأساسي للدخل الذي يكفل إعالة الوالدين أو أحداهما ويوفر الاحتياجات الأساسية التي يعجز الكبار عن توفيرها خاصة الأطفال الذين يفقدون الوالد ويعيشون في كنف أمهاتهم من الأرامل والمطلقات.
ظواهر ومشاهد جعلت من الطفل العراقي ان يكون مبتعدا عن دراسته المفروضة، والمعروف ان في باقي دول العالم يكون اعتمادها الكلي على اساس تثقيف الطفل وتعليمه وتنميته المستقبلية التي تسهم في بناء بلد متحضر وواع، وهذا ما يجعل المسؤولين في الحكومة العراقية الى النظر بعين العطف الى شريحة الاطفال بضمير حي ونظرة صادقة لاحتضان الطفل وانقاذه مما هو عليه.









