التقارير

جكوك.. بين ظلم الماضي.. وأهمال الحاضر

وأخ – مصطفى سعدون

على الرغم من اننا نعيش في القرن الحادي والعشرين ، لكن بامكانكم ان تروا ما يشبه عصور ما قبل التاريخ بمجرد زيارة منطقة (جكوك) التي تقع قرب بوابة بغداد الشمالية.

و(جكوك) منطقة عشوائية شمالي بغداد ، تقع بالقرب من مدينة الكاظمية المقدسة، وقد نشأت قبل عام 2003 ، شيوخها يعانون الحرمان ، واطفالها يبحثون عن مكان يلهون به ، وشبابها يعاني البطالة ، ووجوه نسائها تشوبها ملامح الحرمان المدقع.

وشهدت المنطقة زيارات كثيرة من قبل مسؤولين عراقيين ومنظمات المجتمع المدني المحلية والمنظمات الدولية ، ولكن دون جدوى ، فاهلها يؤكدون ان الكثير من السياسيين العراقيين جعلوا من (جكوك) مكاناً للانطلاق بحملاتهم الانتخابية ، ويتناسون بعدها اهاليها المزينين بثياب الفقر والحرمان.

(جكوك) والانتخابات.

يتحدث “ابو فاطمة” صاحب جمعية صغيرة تقدم المعونات الى اهالي المنطقة ، عن واقع المنطقة ، وفي خلجاته كثير من الامنيات التي يصطحبها معه الى اي مسؤول يزوره او اي مسؤول يزورهم.

ويذكر هذا الرجل لوكالة خبر للأنباء (واخ):” ان مجمع (جكوك) تسكنه ما يقارب 4000- 5000عائلة اي ما يعادل عشرين الف نسمة تقريبا ، مشيراً الى ان سكان هذا المجمع من اغلب مكونات الشعب العراقي ، لكن الغالبية العظمى من سكانه هم من المنطقة الجنوبية.

وتعاني هذه المنطقة من سوء الخدمات وتوفير العيش الكريم للاهالي ، ولم تصلها اية مساعدات من اية جهة كانت رغم الزيارات الكثيرة التي تشهدها من مسؤولين ووزراء وبرلمانيين ومنظمات مجتمع مدني ومؤسسات حكومية.

لكن الاهالي ـ كما يقولون ـ لم يلمسوا اي شئ سوى من المفوضية العليا لشؤون اللاجئين ، التي ساعدتهم في كثير من القضايا ، على العكس من المسؤول العراقي الذي جعل من /جكوك/ منطقة لغايات انتخابية.

/التسول/ في مناطق اخرى..

يخرج سائق التاكسي /ابو زمن/ في السادسة من صباح كل يوم الى عمله للحصول على بعض الدنانير ، لسد رمق عائلته التي عانت كثيراً من التهجير وقلة الدخل اليومي لها.

ولم يكتف هذا الرجل بالحديث عن عائلته وظروفه المعيشية ، بل حدثنا عن ما يشاهده يومياً من مظاهر سلبية خلفتها المناطق العشوائية ، قائلاً : اخرج منذ الفجر كل يوم حتى اتمكن من كسب رزقي الذي اجنيه من هذه التاكسي البسيطة ، خاصة وان الظروف المعيشية صعبة وانا رب لعائلة متكونة من ثلاث بنات وولدين.

ويضيف ” عندما اخرج في صباح كل يوم للعمل تستأجرني امرأتان لمنطقتي حي العدل وحي الجامعة ومعهما اطفال وهما منقبتان ، وبعد ايام من نقلي لهما الى هاتين المنطقتين عرفت انهما من الذين يتسولون في هذه المناطق “.

وحدث /ابو زمن/ وكالة انباء (واخ) :” عن آثار سلبية تشهدها /جكوك/ ابرزها المشاجرات بين اهالي المنطقة بالاسلحة الخفيفة ، مبيناً انه ما من مشاجرة حصلت الا وخرج الطرفان بالاسلحة الخفيفة واطلاق العيارات النارية على بعضهما ، ما تسبب في كثير من الاحيان بمقتل اشخاص ذي علاقة بالمشكلة او من الذين بالقرب منها.

تهجير وقتل وعائلة دون معيل..

/نورس/ طفل في التاسعة من عمره ، هُجر من منطقة الحصوة غرب العاصمة بغداد ، لاسباب وصفتها عائلته بالطائفية بعد مقتل والده ، ما تسبب بتركهم لمدارسهم ورزقهم في تلك المنطقة واجبارهم على العيش في منطقة /جكوك/.

و/نورس/ يتحدث وفي عينيه كثير من الحزن على رحيل والده وصعوبة العيش الذي يعاني منه حالياً مع والدته.

ويشير الى انه واخته التي تبلغ الخامسة عشر من العمر ، يسكنون في بيت اشبه بالخرابة ولايوجد لهم اي معيل سوى الله ، وهو يعمل في محل لغسل السيارات ، ويتقاضى اجر خمسة الاف دينار يومياً.

اما والدته فتبيع الحلويات والسكائر في منطقة الكاظمية المقدسة ، موضحا ان اقاربهم تركوهم ولم يسألوا عنهم ، وما يحصل عليه هو ووالدته لا يكفيهما لشهر كامل ، وهناك رجل من غير منطقتهم يتصدق عليهم شهريا بـ 75 الف دينار.

وحاولت وكالة خبر للانباء (واخ) وخلال التجوال في منطقة جكوك العثور على العائلة التي زارتها النجمة العالمية انجلينا جولي ، الا ان مسؤول المجمع ذكر ان العائلة رحلت الى منطقة اخرى.

وكانت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين التابعة للامم المتحدة اعلنت في وقت سابق ان سفيرة النوايا الحسنة الممثلة السينمائية انجلينا جولي زارت بغداد ، وتفقدت مخيما للنازحين بمنطقة /جكوك/ شمالي العاصمة.

مليارات صُرفت على /جكوك/ ولكن..

يقول عبد الحسن الفتلاوي اول مدير عام لبلدية الشعلة التابعة لها منطقة /جكوك/ في حديث لوكالة خبر للأنباء (واخ) :” انه في عام 2006 تم تشكيل بلدية الشعلة وعند دراسة مستوى النفوس والمساحة ، تم استحداث مركز بلدي في جكوك ، لان ذلك يزيد الميزانية (التخصيصات المالية) ويتبعه زيادة الايدي العاملة والاليات ، هذا ينعكس على الاهتمام بالطرق والحدائق ، وشبكات الماء والصيانة ، وشبكات المجاري.

وأضاف :” عند استحداث المركز البلدي الثالث لمنطقتي الدولعي وجكوك للاسباب السابقة تم تطوير الشارع الرئيس وبالتصاميم الحديثة مع نخيل واكساء وارصفة وزراعة ” مشيرا الى ان جكوك كانت مكب نفايات قبل 2006 والجهد ضعيف والتجاوزات كثيرة تم الحد منها ورفع الانقاض واكساء الشوارع الرئيسة.

وأوضح الفتلاوي انه ” تم عمل مجمع من كرفانات على الشارع العام من الشعلة الى الشارع الرئيس الذاهب الى التاجي سعته 150 عائلة لسكن المتجاوزين ، وقد تم فعلا اسكان عدد منهم.

حلول..

و/الفتلاوي/ باعتباره مهندساً استشارياً في امانة بغداد ، وضع عددا من الحلول لازمة المناطق العشوائية ، اولها تشكيل لجنة اقتصادية واجتماعية تأخذ على عاتقها دراسة تلك المناطق ، وعمل قاعدة معلومات شاملة لأنماط الأحياء العشوائية في جميع المدن والمناطق بحيث تستطيع استنتاج المعايير والمعدلات التخطيطية التي تناسب كل مدينة اجتماعياً واقتصادياً وبيئياً من حيث دخول الأفراد والبنيان الاجتماعي الموجود.

وشددت الحلول على اهمية تحديد المستحقين بعد التأكد من دائرة التسجيل العقاري بعدم امتلاك أي فرد من أفراد الأسرة قطعة ارض في أي مكان أخر , لان هناك الكثير يملكون بيوتا قاموا بتأجيرها وسكنوا تلك المناطق.

وتحدثت الحلول عن تحديد المناطق التي يمكن ان تصلح للسكن واستبعاد المناطق التي لاتصلح للاستعمالات السكنية والتي تتعارض مع الواقع العمراني لمدينة بغداد او المعايير الصحية والبيئية وأزالتها فورا ، فليس كل المناطق العشوائية تصلح للسكن.

ومن ضمن الحلول المقترحة إستحصال الموافقات الأصولية والقانونية على المناطق التي يتم البت فيها كمناطق سكنية ، وقيام أجهزة التخطيط المتمثلة بالبلديات بأعداد تصاميم تفصيلية لتلك المناطق وفرزها كلاً حسب الرقعة الجغرافية له ووضع معايير لبناء بيوت تتناسب ودخول الفئات المشمولة بالاسكان ، اضافة الى إزالة جميع المساكن التي تتعارض مع التصاميم المعدة.

المناطق العشوائية والمشاكل..

ويقول الباحث في علم الاجتماع سعيد كريم لوكالة خبر للأنباء (واخ)” ان العشوائيات تمثل بؤرة للمشاكل الاجتماعية والأمنية ومناطق لإيواء الجريمة والانحدار الأخلاقي وبعضها مكاناً للخارجين على القانون والمتاجرين بحبوب الهلوسة وتسكع المراهقين خاصة “.

ويضيف ” ان اغلب الساكنين في العشوائيات هم من الأميين ، بالإضافة الى كونها مصادر ازعاج للأحياء المجاورة لها ، فقد يرتكب بعض سكان العشوائيات جرائم داخل المدينة كالسرقة والاعتداء وغيرها ثم يعودون إلى مخابئهم في المناطق العشوائية “.

وأوضح ” ان سكان المناطق العشوائية وان كانوا خليطا غير متجانس الا أنهم يتسمون ببعض الخصائص التى لا توجد فى مجتمعات أخرى ، وقد أدى ذلك إلى اتسامها بالعديد من الثقافات الامر الذى قد ينتج عنه ظهور العديد من أساليب التنشئة الاجتماعية التى تتبعها الأسرة يضاف إلى ذلك أن هذه المناطق تعتبر مناخا جيداً لتنامى البؤر الاجرامية والانحرافات بمختلف أشكالها بما يؤثر بطريقة أو بأخرى على سكان تلك المناطق بصفة عامة والنشء بصفة خاصة “.

ويشير الباحث الى ان هناك العديد من الدراسات التى تناولت المناطق العشوائية بالبحث والدراسة ، إلا أنه ورغم ثراء وغزارة تلك الدراسات التى أجريت حول المناطق العشوائية فإنها تخلو من الابحاث التى تتناول أثر أساليب التنشئة الاجتماعية فى تلك المناطق على انحراف الأبناء ، لذلك لابد أن يكون لمختلف الوزارات دور في النهوض والارتقاء بالمناطق العشوائية في المجالات الصحية والثقافية التعليمية والترفيهية والأمنية وخاصة وزارة العمل والشؤون الاجتماعية ووزارتي الصحة والتربية.

الدور الرقابي للبرلمان..

ويقول عضو لجنة حقوق الانسان النيابية علي شبّر لـ /واخ/ انه ” يوجد حرمان كبير في منطقة /جكوك/ ، ويوجد عدم توزيع عادل للاراضي هناك ، بالاضافة الى عدم تطبيق القانون.

واضاف ان هناك الكثير من العوائل التي لا تحتاج الى السكن في المناطق العشوائية لكنها تسكن هناك على امل ان يتم تمليك الاراضي من قبل الحكومة ، الامر الذي ادى الى توسع رقعة المناطق العشوائية.

وتابع شبّر ” لا يمكن ترحيل الساكنين في تلك المنطقة قبل دراسة حالتهم وايجاد سكن بديل لهم ، لذلك فان لجنة حقوق الانسان النيابية تعمل على دراسة وضع المنطقة من خلال تشكيلها لجان خاصة تتابع هذا الامر ، وخاصة ظاهرة التسول التي تبرزها المنطقة ، لكن اللجنة لا تقبل في الوقت ذاته بالتجاوزات التي يمارسها بعض الناس “.

بينما يرى عضو لجنة الصحة النيابية حمزة الكرطاني في حديث لـ /واخ/ ” ان منطقة /جكوك/ حالها حال اغلب المناطق العشوائية تفتقر للخدمات البلدية وباقي مقومات الحياة الكريمة ، لكن /جكوك/ حالياً تقع خارج حدود المخطط الاساسي لمحافظة بغداد “.

وحذر من ان تكون هذه المنطقة عرضة للامراض والاوبئة ، والتي ستجلب بدورها كل شئ سلبي ، مشدداً على ضرورة ان تتحرك الجهات التنفيذية لايجاد حلول في هذه المنطقة واتخاذ قرارات مقنعة ، وخاصة فيما يتعلق بالنفايات التي اصبحت المصدر الاساس للتلوث البيئي ، بالاضافة الى وجود تقصير من قبل مؤسسات وزارة الصحة.

وتبقى /جكوك/ والعشوائيات التي استفحلت في عدد كبير من المحافظات بعد الغزو الاميركي للعراق عام 2003 تؤشر عجز الدولة عن حل هذه المشكلة بشكل جذري ، يحفظ هيبة الدولة وسيطرتها على اراضيها من جهة ، ومن الجهة الثانية عدم معالجة هذه الظاهرة عمليا بتوفير السكن اللائق لساكني العشوائيات من المستحقين فعلا لهذا السكن .

قد يهمك أيضاً

استضافة : شركة المرام للدعاية والإعلان