* وسام الملا

ايقونة الجنوب واصلها وعروسها ، تلك هي ميسان ، الدويلة التي نشأت في جنوبي أرض بابل تحت حماية دولة السلوقيين  (311 ق. م ـ 247 ق. م)  التي استقلت وتدرجت في سلم القوة وأصبحت دويلة مهمة وأدت دورا بارزا  في الأحداث السياسية والاقتصادية في العراق خلال الفترة من منتصف القرن  الثاني قبل الميلاد إلى الربع  الأول من القرن الثالث للميلاد ، وجاء اسمها في الآرامية (مياه المستنقعات)  (مي آسن) ، وميسان هي مهد الحضارات والاصالة والتراث وخصوبة الارض تزهو ببساتينها وبنخيلها وارضها الخصبة التي يفوح من ترابها عطر السومريين الاجداد ، تلك المحافظة التي تتألف من ستة  اقضية ” العمارة ، قلعة صالح ، المجر ، الميمونة ، علي الغربي ، الكحلاء ” ، وتتقسم اداريا الى تسعة نواحي ” علي الشرقي ، كميت ، المشرح ، السلام ، الخير ، العدل ، بني هاشم ، العزيز ، سيد احمد الرفاعي” .

تبدأ رحلتي الى ميسان عندما قرر بعض الاصدقاء الصحفيين عمل التقارير الصحفية عن بيئة  وتاريخ ميسان واهم معالمها ، على الرغم من قسوة الطريق وبعده , الا ان رغبة المعرفة سهل طريقنا ، عند دخول حدودها الادارية هبت رياح الطمأنينة لنفسي حتى أصدقني القول صديقي وشاركني في ذلك زملائي الاخرين ، لم تخلو رحلتنا من صوت الجنوب الدافئ وكان لمطربين العمارة نصيب الاسد كانت البداية مع  مسعود العمارتلي باغنية “ذبي العباية” , ويقاطعه صديقي باغنية  لوحيدة خليل ” بسكوت اون بسكوت  يمه ما ورج احد” واخرى لناصر حكيم وصوت يعلو لعبادي العماري واخر لعبد الزهرة مناتي ونسيم  عودة وفرج وهاب ويونس العبودي “، عند اول حاجز للتفتيش لدخول المدينة ، كانت العزوبية والترحيب طابع اهلها وشيمتهم  .

عند صباح اليوم التالي كانت مهيأة لرحلة الاهوار ، وهي أكبر نظام بيئي لامثيل له في الشرق الأوسط وغربي آسيا بمسطحاته المائية العذبة الممتدة على ثلاث محافظات عراقية جنوب العراق هي ميسان، ذي قار، والبصرة، بين نهري دجلة والفرات على مساحة تقدر بنحو 16 ألف كيلو متر مربع تفوق مساحة لبنان ، ويؤمن هذا النظام البيئي الفريد الحياة لما يقارب 81 نوعا من الطيور، منها طائر الثرثار العراقي وطائر المغرد وأبو منجل المقدس ، كما تعتبر محطة توقف مهمة للطيور المهاجرة بين سيبيريا وأفريقيا، بالإضافة إلى أنواع نادرة من أسماك الماء العذب والحيوانات البرية والأبقار والجاموس .

المقصد كان نحو هور ” ام النعاج” الواقع في قضاء الكحلاء وله مدخلان بريان من خلال قضاء الكحلاء – ناحية بني هاشم – ومدخل اخر “المعيل” ، قرية أبو خصاف ، هور ( ام النعاج) يبلغ عرضه بحدود 25 كم وعمقه لغاية الحدود الإيرانية بحدود 30 كم ، قادنا صاحب القارب (المشحوف) وسط نبات القصب ، يحاذي الاهوار مدن سكنها أهلها وولدوا فيها منذ ستة آلاف عام، ومازالت بقاياها الأثرية تحت هذه المياه وبالقرب منها أور وأريدو والوركاء، وفي تلك الممالك المائية تتناثر الجزر التي يسكنها أهل الأهوار في بيوت من القصب تسمى “الصرايف” ويتنقلون بين منازلهم وجزرهم والنواحي المحاذية لهم بالمشاحيف ، كانت رحلة استثنائية ، لم تخلو من الغرابة وكأنها رحلة تاريخية الى عصر السومريين قبل الاف السنين ، المياه كان كعذوبة اهلها ، الطيور والحيوانات لم تغادرنا في رحلتنا حتى عودتنا من الاهوار ، كان بانتظارنا عند بيت القصب عزوبية العمارة وسمكها المسكوف “والسياح والطابك” والطيور وهي اكلات جنوبية ، استمرت جولتنا نحو مدنها وقراها وشوارعها التي عجزها الزمن واصبحت كهلا كباقي مدن العراق ، بين الماضي والحاضر تبقى ميسان عروس ومنبع الطيب واصل عشائر العراق .