المقالات

تموز أشكالية الثورة وأشكالية القيادة ؟

د. علي التميمي

 

لازال الحديث عن التغيير الذي حدث في العراق عام 1958 يجري بلغة العواطف , فلازلنا نجد من يكتفي برفع شعار ” المجد لثورة 14 تموز ” ناسيا أن ذلك الحدث أصبح من ذكريات الماضي التي أنطوت دون أن يدري أحد من العراقيين كيف أنطوت ؟ ومن كان وراء توقف حركتها , مثلما لايعرف أصحاب هذا الشعار أنهم أمتداد لمن كان سببا في أنطفاء وهجها بسرعة مما ساعد أعدائها على أن  يضعوا أيديهم بسرعة وخفاء مع اليد التي تحتل العراق اليوم , فيضربوا وزارة الدفاع العراقية بطائرة قادمة من ألاردن ثم يقوموا بقتل الرجل الوطني المخلص عبد الكريم قاسم , بتوجيه جاسوس للاحتلال كان موجودا في مقر ألاذاعة العراقية ؟ لم يكن أنجاز 14 تموز عام 1958 قد أخذ وقتا كافيا ليمارس تشريعات الثورة وأطروحتها في بناء المجتمع والدولة على أسس حضارية كان ينتظرها العراق طويلا ؟ فالبرغم من خطوات عبد الكريم قاسم الشخصية في محاورة شركات النفط لآستصدار قانون رقم ” 80″ , وقانون ألاصلاح الزراعي , ومشاريع ألاسكان في المحافظات ألا أن من كان حول ومع عبد الكريم قاسم لم يكن يحمل ذهنية الثورة في معانيها ألاجتماعية والسياسية , بدليل أنهم أنقسموا الى مجاميع , منهم من تعامل مع الحدث بروح مراهقة ضيعت الفرصة على الجميع لآنها كشفت عن هوية غير وطنية بتعلقها بأيحاءات الخارج , وتظاهرات ” ماكو مهر وباجر نرمي القاضي بالنهر ” كانت تعبيرا عن تلك المراهقة التي سارعت بوئد وهج الحدث ؟ وهتافات ” عاش زعيمي عبد الكريم حزب الشيوعي بالحكم مطلب عظيمي ” أظهرت مدى سطحية من يردد هذا الهتاف مثلما فتحت عيون ألاخرين على العمل بعكس هذا ألاتجاه ؟ والمجموعة ألاخرى لم تكن أقل سطحية من المجموعة ألاولى فراحت تغني لجمال عبد الناصر وهو لما يزل يعاني من أثار حرب السويس عام 1956 , ورفعت شعارات القومية العربية التي أدخلت الشارع العربي والعراقي في فراغ فكري كانت نتائجه أن يصبح البلطجية ورواد النوادي الليلية أبطالا لتصنع منهم المخابرات ألاجنبية عملاء لتصريف بضاعتها في زراعة الكراهية بين أبناء ألامة الواحدة , ولم ينتبه أحد الى أن القومية وجود والوجود يحتاج الى رسالة , ولا يصلح أن يكون الوجود رسالة , لآن فاقد الشيئ لايعطيه ؟ وأن رسالة الوجود هي رسالة السماء لمن يدرك ألامور بشكل علمي أو فلسفي يعرف كيف يتحرك البرهان في دائرة ألاذهان ؟ ومن أدل ألامور على ذلك والتي جاءت متأخرة أن كل الذين مضوا في طرق الضياع الفكري , ” شيوعية , أو بعثية , أو قومية غامضة , أو عنصرية , قد وصلوا الى نهايات الفشل وألافلاس الجماهيري فرجعوا يتسولون رداء ألايمان المخادع والسطحي , ففي العراق بعد أن تمرد صدام حسين على كل القيم ومنع قراءة القرأن من على سطوح المساجد بعنوان منعا للضوضاء عام 1974 رجع في التسعينات بعد ألانتفاضة الشعبانية ليطلق مايسمى بالحملة ألايمانية ؟ وحاولت بقية ألانظمة أن تقلد نفس الشيئ ولكن بخطوات ظل المسجد أكبر منها , وفي التحركات للشباب اليوم في البلدان العربية كان شعار ” الله , الوطن , الحرية ” هو الشعار ألاكثر ظهورا وألاكثر شعبية , وفي العراق أصبحت الحاضنات الحقيقية للتحرك الشعبي هي مسيرات الزيارات الدينية , العاشورائية والشعبانية , والكاظمية , وحملات الحج والعمرة هي ألاكثر على مدار السنة ؟

حدث كل هذا مع 14 تموز ومع غيرها وما يحدث اليوم للحكومات وألانظمة لآنها لم تكتشف روح الثورة بأطارها الفكري , ولم تحقق ملاك القيادة بشخص ألافراد , كان عبد الكريم قاسم يخطب أرتجالا لمدة أربعة ساعات في الجمعيات الفلاحية أو في نقابات العمال أو في مهرجان الفيلسوف الكندي , كان ذلك يحدث للفراغ القيادي الموجود , فعبد الكريم قاسم كما قلنا كان مخلصا ووطنيا وهذا وحده لايكفي للقيادة على مستوى الدولة الخارجة من حلف السنتو والمحاطة بمحاور الشيوعية ونهمها في ذلك الوقت , والقومية وشعاراتها العاطفية التي لاتصنع فكرا ؟ والرتل الرجعي المرتبط بحلف بغداد وجيبوبه الموزعة في المنطقة , ولم ينتبه أحد للاختمار ألاسلامي تاريخيا والذي يمتلك جاذبية لاتقاوم تختلط فيها الفطرة مع العاطفة , مثلما يختلط الموروث بمستجدات الحياة ليصنع منها موقفا هزم حزبا شيوعيا بفتوى واحدة ؟ ولم يسترعي أنتباه السياسيين ظهور مجلة ” ألاضواء ” في النجف ألاشرف التي كان يكتب أفتتاحيتها فيلسوف القرن العشرين محمد باقر الصدر وذلك عام 1958 وكان يعاون السيد محمد باقر الصدر أثنان من ألمع طلبة الحوزة في تلك المرحلة وهما المرحوم أية الله الشيخ محمد مهدي شمس الدين الذي أصبح لاحقا رئيسا للمجلس ألاسلامي الشيعي في لبنان والمرحوم أية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله المرجع اللبناني الكبير , وكانت المجلة بأشراف منتدى النشر الذي يشرف عليه مرتضى أل ياسين , وكانت تلك المجلة تنشر بشكل مبكر فكر حزب الدعوة الذي تأسس في 17 ربيع ألاول سنة 1377 هجرية الموافق للشهر العاشر من سنة 1957 ميلادية ؟

لقد أجتمعت أشكالية الثورة بمعناها المعرفي مع أشكالية القيادة بمعناها القيادي , فأختنق الحدث بدخان ألازمات أحداث الشواف عام 1959 في الموصل وأحداث كركوك , ثم محاولات عبد السلام التي لم تكن تتضمن نضجا سياسيا , ثم أحداث شارع الرشيد عام 1961 والتي أنتهت بحادثة أنقلاب عام 1963 ذات المردود الكارثي والذي تم بصناعة أجنبية بأمتياز , ومن الغريب أن أحدا لم يعتذر للشعب العراقي ممن ساهموا بتلك ألاحداث الملوثة بكل معاني التلوث على الصعيد الوطني وألاخلاقي والسياسي ؟

 

 [email protected]

قد يهمك أيضاً