المقالات

أقاليم حسب المرحلة السياسية

*علاء هادي الحطاب

 

مما لا شك فيه ان النظام السياسي الفيدرالي الاتحادي المطبق في العراق عقب 2003 يعد نظاماً جديداً وغير مألوف على واقع المجتمع العراقي ” افراداً ومؤسسات سياسية ومنظمات مجتمع مدني ” اذ لم يشهد العراق كدولة منذ تاسيسها نظاما متعدد ومشتت الصلاحيات فمن ملكية الى جمهورية مركزية بلغت ذروتها وصرامتها في عهد نظام البعث الذي سيطر على حكم العراق لأكثر من ثلاثين عاماً . . نعم شهد الجزء الشمالي من البلاد حكماً ذاتياً منذ عشرون عاماً تقريباً ، لكن العقل الجمعي العراقي سياسيين وافراد لم يشهد ولم يعرف النظام الفيدرالي كآلية لحكم البلاد حتى ان قانون المحافظات غير المنتظمة باقليم لم يكن واضح المعالم وفيه ” عبوات ” قانونية تنفجر امام ابسط اختبار للصلاحيات مابين المركز والمحافظات .. هذا فضلاً عن ان المواطن العراقي لم يمارس او يفقه او يتثقف ولو نظرياً مفهوم النظام الفيدرالي ” باستثناء النخبة ” وحتى هذه النخبة عرفت ” ميدانياً ” الفيدرالية بعد عام 2003 وما تلاه . . .

اطاريح عديدة طرحت خلال السنوات الماضية لفيدراليات متعددة ومتنوعة منها اولها التقسيم ذائع الصيت لنائب الرئيس الامريكي الحالي جو بايدن وبرعاية السفير الامريكي انذاك زلماي خليل زاد اذ يقوم هذا المقترح على تقسيم العراق الى ثلاثة اقاليم شيعية وسنية وكردية وطرح هذا الرأي عندما بلغت الطائفية في البلاد ذروتها … تبعتها اطاريح اخرة ومنها تسع محافظات جنوبية بأقليم الجنوب وثلاث محافظات غربية ” الانبار وتكريت والموصل ” وبغداد اقليماً وكركوك اقليماً وهكذا كما طرحت افكار .. ككل ثلاث محافظات متجاورة اقليم وتكون البصرة والنجف وكربلاء عواصم لها ، وهكذا طروحات لكنها جوبهت كلها بالرفض لسببين مهمين :- اولهما الخشية تقسيم العراق وبالتالي القضاء على الوحدة الجغرافية للبلاد والتي تعد احد اهم اسباب الوحدة الوطنية وثانيهما مخاوف صعود وسيطرة جهات بعينها على تلك الاقاليم مما يضعف العراق ويجعله وفق اي فيدرالية انفة الذكر عرضة للولاءات الاقليمية لدول الجوار .

وبكل مرحلة وما تشهده من تطورات ..  تصورات جديدة لفيدرالية العراق وكأن قانون المحافظات غير المنتظمة باقليم لم يلب حاجة المحافظات من الاستقلالية الادارية والرغبة الجامحة بمحاكاة التجربة الكردية في اقليم كردستان ، فضلاَ عن تجربة الامارات العربية المتحدة .. حتى اذكر انني  شاهدت يوما في كربلاء جدارية كبيرة معلقة في وسط المدينة فيها صوراً لواقع كربلاء الحالي وصوراً لولاية اماراتية وكتب عليها ما الفرق بيننا وبينهم وكلانا بلدان نفطيان في اشارة الى الفيدرالية وادارة المدينة بمعزل عن المركز باستثناء ” العلم والجيش والعملة” اهم عناصر السيادة لكل دولة .

الطرح الاخير لرئيس مجلس النواب العراقي اسامة النجيفي ليس بمعزل عن الطروحات السابقة اذا ان الفيدرالية وليس الانفصال هاجس وربما بات طموحاً لأغلب السياسيين وبدأ هذا الطموح يتسلسل الى كافة افراد المجتمع ولو بنسب معينة وقراءات مختلفة لكنها كلها لا تعني الانفصال . . . الاقليم السني صار يجد رواجاً كثيراً هذه الايام، سيما بعد اكتشاف كميات كبيرة من النفط والمعادن الثمينة والغاز ( حقل غاز عكاز ) في الانبار وهذا الاكتشاف ليس بمنأى عن التدخل الخارجي والخليجي تحديداً كما هو الحال في اقليم الجنوب الذي كان مباركاً له من قبل ايران وبالتالي كل مقدمات ايجاد اقاليم سنية وان تعددت اشكالها ، وشيعية وان تعددت اشكالها موجودة ومهيئة على ارض الواقع ميدانياً اذ ان مقومات بناء الدولة متوفرة ومنها العامل الجغرافي وتقسيماته والعامل الاقتصادي كذلك والبنية الاجتماعية وتفصيلاتها المذهبية والعرقية ، اضافة الى شعور الجميع بالتهميش على حساب المركز والمركز ذاته يجد ان تلك المحافظات باتت تمثل عبئاً عليه وثقلاً يعطل مشاريعه التنموية المستقبلية العابرة للحدود خصوصا وان اسقاط اي حكومة مركزية يبدأ من المحافظات وليس العواصم وخير شاهد على ذلك ان مبارك لم تسقطه القاهرة وكذلك زين العابدين بن علي والاسد والقذافي وصالح وغيرهم . فالمطالبة باقليم سني سيعني بالضرورة  وجود اقليم او اقاليم شيعيةوهكذا …

اعتقد انم اطرح مؤخرا لا يعني مناورة سياسية او اوراق ضغط  كما يحاول البعض ان يصورها وسيفهها بل هي مطالبات ستكون في السنوات المقبلة جادة جداً ان لم يجد قادة الامر والنهي في البلاد تشريعات وقوانين تعطي لكل ذي حق حقه في فيدرالية تحفظ هوية الدولة كما هو الحال في الفيدراليات الاتحادية المتقدمة .. خير من ان نفقد هويتنا الانبارية والنجفية والبصرية والتكريتية والحلاوية ونقول ” يا ريت الي جرى ماكان ”  .

*كاتب واعلامي عراقي

[email protected]

قد يهمك أيضاً