المقالات

قواطي

ماجد عبد الرحيم الجامعي

 تعودت انظار ساكني محلتي الشعبية مشاهدة رجل في عقده الثالث من العمر , دائب الحركة مادا يديه ورأسه في حاويات الازبال وتحت بسطيات باعة المواد الغذائية , وعند الزوايا على قارعة الطريق …

وقد كان هذا الرجل يكنى ( ابو علي ابو القواطي ) , الذي اجبرته ظروف الحصار الاميركي – الغربي على اتخاذ مهنة جمع عبوات المشروبات الغازية المعدنية الفارغة , ولم نعرف بمصير ما يجمع … وقد تطورت الحال فاصبح من الدعاة لتزويده بما يجود به الشارع والزقاق من ( قواطي ) وصار يجند اطفالا صغارا لهذا الغرض … الى ان اختفت معالم الحصار الثقيل واختفى معه ( ابو علي ) …

لقد دفعني الفضول الصحفي الى تقصي اخبار هذا الرجل المكافح الجميل نعم ( الجميل ) كما يصفه البحث الفلسفي المعني بمراحل التطور الفكري والحضاري للانسان في المجتمع , فيقول : عصرنا يتصف باليأس والمأساة , وهذا يضطر الانسان الى ادراك المسؤولية , وهذه اعلى مراحل الحياة الجمالية … وبعد التحري , علمت ان الرجل كان وسيطا فاعلا لمعمل تصنيع الرقائق المعدنية وقد استطاع من وراء عمله ان يكسب مالا وفيرا فكان مورده الشهري يعادل خمسة اضعاف راتبي الشهري الذي اتقاضاه من الصحيفة التي كنت اعمل فيها … وقد غادر العراق المبتلى الى دولة ليعيش الغربة ولكنها ( عيشة سعيدة ) .. !!

الحقيقة , انني سقت لكم هذه الحكاية , بعد ان شاهدت مرة اخرى اطفالا وشبابا ونساء , يمارسون نفس مهنة ( ابو علي ابو القواطي ) ..

وكأن التاريخ يعيد نفسه وبشكل اوسع , حيث التقتيل يلفنا بردائه الاحمر والأوبئة تحيطنا بردائها الاصفر والجوع يرهبنا بردائه الازرق , والموت يتربص حاملا رداءه الاسود … فأين من هذه الحال تلك الوعود الوردية التي جاء بها دعاة التغيير , هل هي مجرد كلمات وعبارات للاستهلاك الاعلامي , تبتعد عن مفردات المسؤولية في اعداد وتنفيذ خطط بناء الانسان المعاصر لتشهد ضمورا في المنجزات الفكرية والعملية لتأمين الحقوق الانسانية ..

اذن , يتوجب على من يمتطي صهوة السلطة ان يكبح جماحها ويستمد مبرر وجوده من المنحى الايجابي والاخلاقي تجاه شعبه . وبعكسه , فانه يعاكس صورة التفاؤل بمستقبل جديد , ويلقي عليها مسحة قاتمة من الحذر والتوجس .. وان المحصلة بمخرجاتها وهي المؤشر الحقيقي لفاعلية اي نظام سياسي , اذا ما كان ساعيا الى خدمة الرعية من خلال التوزيع العادل للثروات والدخل وانماط الانتاج ونظم التوزيع والتبادل وانماط الاستهلاك , وهذه بمجملها في الواقع تعاني تخلخلات كبيرة ومشكلات ضخمة …

علينا ان نعي قيمة ابناء وبنات موطني , فالانسان في كل الاديان والمذاهب الاجتماعية والنظريات الفلسفية مادة النهوض وغايته والكفاية الاقتصادية والتماسك الاجتماعي شأن مهم في مسعى الارتقاء الحضاري المتجاوز لفترة الانقطاع عن زمن الابداع .. وان ( اليوتوبيا ) , او المدينة المثلى , او الفاضلة , حلم طويل ما زال العراقي ينتظر ان يصحو منه ليجده حقيقة واقعة يعيشها كل يوم بل كل لحظة . فيبجل العقل البشري كمعطى الهي له فطرته وحدوده وان تحفظ لحامله كرامته وحقه في تحقيق ذاته النبيلة ..

ومن هنا نرى ان الهول العلمي الذي يفرض وجوده وبقوة على الساحة الفكرية ابلغ رد على اهل الزيغ والبدع من المتاجرين بالخطب والشعارات وكما يقول ابن خلدون : ( عليكم بباطن التاريخ عبرة ) .. وقد ضقنا ذرعا من الاختناق تحت اقدام السلطات , ولم يعد يرضينا التغني بان نغلف الحياة باغلفة الغرب وديمقراطياتهم , فالمثل الصيني يحفز ذخيرتنا المعرفية الباحثة لها عن قرار تقف عنده وتستقر فيه وتصل في النهاية الى اساس مشكلة ابو علي ابو القواطي وبيوت التنك , وهذا ما يقوله الصينيون :

( ليس من صانعي التماثيل من يعبدها , لانهم يعرفون من اية مادة صنعت ) .. فكفانا شعارات , ولنبحث عن وظيفة للشباب جماعة ابو علي ابو القواطي … ؟ !!

 

 

قد يهمك أيضاً