الدكتور عبد الحسين شعبان

 

 

بدأت الانتفاضات العربية مثل الريح الخفيفة المُنعشة التي تسبق المطر، هكذا جاءت انتفاضة الياسمين في تونس وبعدها انتفاضة النيل في مصر،  وأعقبتهما انتفاضات وإرهاصات واحتجاجات في ليبيا والجزائر واليمن والعراق وغيرها، حتى بدت الموجة الثالثة للتغيير الديمقراطي في العالم وكأنها  غيمة تبسط جناحيها على العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه وعلى وجه السرعة والحضور .

وإذا كانت الموجة الأولى للتغيير الديمقراطي قد شملت غرب أوروبا، لاستكمال التحوّل الديمقراطي في البرتغال المحكومة من الدكتاتور سالار وإسبانيا  المحكومة من الدكتاتور فرانكو لما يقارب 40 عاماً، واليونان التي حكمها العسكر، فإن موجة التغيير الديمقراطي الثانية شملت أوروبا الشرقية التي  توّجت بانهيار جدار برلين العام 1989 والإطاحة بالأنظمة الشمولية في بولونيا التي شهدت تمرّدات واحتجاجات نقابة تضامن منذ مطلع الثمانينيات وهنغاريا وألمانيا وصولاً إلى تشيكوسلوفاكيا وبلغاريا التي مرّت تحوّلاتها بسلاسة وسلمية، لكن التغيير اكتسب بُعداً دراماتيكياً ودموياً في رومانيا ويوغسلافيا، التي انقسمت إلى خمس دويلات، كان آخرها كوسوفو التي انفصلت عن صربيا العام 2008 وانضمّت إلى الأمم المتحدة، وقررت محكمة العدل الدولية في لاهاي أن انفصالها (استقلالها) لا يتعارض مع القانون الدولي، والاتحاد السوفيتي في العام 1991 الذي شهد هو الآخر انقسامات وحروباً ونزاعات ما يزال بعضها مستمرّاً .

 

 

 

كان مؤملاً أن لا تقف عاصفة التغيير الثانية عند شواطئ البحر المتوسط الجنوبية وأن لا تنكسر رياح الديمقراطية عند المنطقة العربية، خصوصاً أن الثورة الإيرانية أطاحت بنظام سلطوي عاتٍ العام ،1979 لكنها أقامت محلّه نظاماً توتاليتارياً شمولياً، أما تركيا فعلى الرغم من الانقلابات العسكرية، لاسيما انقلاب كنعان ايفرين في العام 1980 وما بعدها من دور وحضور للعسكرية التركية، فإنها شهدت تحوّلاً مهماً بصعود حزب العدالة والتنمية وهو حزب إسلامي معتدل إلى السلطة السياسية عن طريق صندوق الاقتراع، وشرع بإجراء تحوّلات نحو الديمقراطية، وما زالت التجربة على الرغم من اختلاف التقويمات بشأنها تثير اهتماماً كبيراً، لاسيما ما حققته من نجاحات تنموية في المجالات المختلفة .

لعل الفضاء الذي حققته الموجة الثالثة للتغيير الديمقراطي تختلف عن الموجتين الأولى والثانية، وذلك لأن العالم العربي هو الأكثر تخلفاً، لاسيما في سلّم التطور الديمقراطي، فضلاً عن أن المصالح الدولية، وخصوصاً للقوى المتنفّذة والمتسيّدة، ظلّت تريد إبعاد العالم العربي عن التغيير في أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، لكي لا يختل توازن القوى لحكومات صديقة لها، لاسيما فيما يتعلق بالصراع العربي  “الإسرائيلي”، ف”إسرائيل” إضافة إلى النفط، هما أعزّ ما في الاستراتيجية الأمريكية لا على النطاق الإقليمي حسب، بل على النطاق الدولي أيضاً، وخصوصاً بعد تفكك الاتحاد السوفيتي وانهيار المنظومة الاشتراكية .

وإذا كان النفط محور الصراع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، فإن موقع العالم العربي الاستراتيجي، هو الآخر مسألة لا تستغني عنها الولايات المتحدة، حيث يشكّل جسراً بين الشرق والغرب وبين آسيا وأفريقيا وبينهما وبين أوروبا، ولعل هذه المكانة هي التي تجعله يحظى بمثل هذا الاهتمام، فضلاً عن قيمة موارده الطبيعية، وكان الرئيس أيزنهاور قد وصف الشرق الأوسط في مذكراته بأنه “أقيم قطعة عقار في العالم” .

 

لقد سادت انطباعات لحد القناعة لدى النخب الفكرية والسياسية الحاكمة والمحكومة، في المنطقة وإلى حدود كبيرة في الغرب كذلك، أن الشعوب العربية بسبب القمع المعتّق غير قادرة على النهوض لمواكبة التطورات الكونية، فهي ما تزال تقف في مرحلة ما قبل الدولة في الكثير من بلدانها، وتعاني من انقسامات دينية وطائفية واثنية وعشائرية، ولم تدخل عالم الحداثة والتكنولوجيا والعلوم بعد، في ظل شحّ الحريات وضعف الطبقة الوسطى، خصوصاً، أن الحكام تماهوا مع الدولة، التي تغوّلت عليها السلطة، وهم والسلطة تماهوا في التغوّل على الدولة والمجتمع على حد سواء . فاحتكر الحاكم السلطة وتصرّف بتعسّف لا نظير له فامتلك الإعلام والمال وهيمن على التجارة والسياحة والرياضة والثقافة، وأصبح هناك تداخل بينه وبين الحقل العام، ولا فرق في ذلك بين أنظمة الحكم الوراثية الملكية أو الجمهوريات ” الملكية  الوراثية” أو “الثورية العسكرية” أو غيرها .

يمكنني القول إن الجامع في الانتفاضات العربية هو التماثل في التوجّهات السلمية والشعارات المدنية والحشود المليونية، التي فاجأت الجميع، لاسيما استخداماتها للكومبيوتر والانترنت والفيسبوك والتويتر والهاتف النقّال، فضلاً عن الشجاعة المنقطعة النظير التي أبداها الشباب لكسر حاجز الخوف الذي انتقل من المحكومين إلى الحكام، الذين أخذوا يخشون شعوبهم لأول مرة، فلم يعد الاعلان عن عدم التوريث كافياً، أو عدم التجديد لولاية أخرى وارداً، بل بات إجراء إصلاحات جذرية بما فيها فحص وتدقيق موضوع شرعية الحكام والنظام السياسي أساساً، وإذا كانت الشعارات المطلبية قد سادت، فإن فيها الكثير من الواقعية والبرغماتية، خصوصاً موضوع البطالة، وشحّ الحريات، وقضايا الفساد، وغيرها

وإذا كان لكل حاكم خصمه أو عدوّه، لكنه لا يمكن التغاضي عن وجود قانون طبيعي يتم سريانه على الجميع وهو “قانون التحوّل الديمقراطي” الثالث الذي بدأ مفعوله يدخل حيّز التنفيذ في العالم العربي، وخصوصاً بعد الزلزال المصري، وسواءً سار قطار التغيير بانسيابية أو بوجود منعرجات وتوقفات، الاّ أنه في نهاية المطاف سيصل إلى محطته الأخيرة، إن آجلاً أو عاجلاً، طالما أن القانون كوني وشامل، وبلا حدود، كما شاهدنا ذلك في الموجتين الأولى والثانية . هكذا يمكن قراءة المفاجأة في ضوء قانون التغيير!

 

الدكتور عبد الحسين شعبان