واخ – اعداد رسول خضير الزبون  

 

رحلتي الى الناصرية(تبعد عن جنوب بغداد   كم)كانت جميلة في مخيلتي..  فانا لم ازرها قط … سمعت عنها الكثير من قصص الشجاعة والبسالة والكرم وحسن الضيافة.. وربما حسن الضيافة…داعب معدتي الجائعة…باننا سنكون على موعد للغداء…اباهي به زملائي الصحفيين حين اعود الى بغداد .. كيف لا؟! وانا مكلف بانجاز  برنامج وثائقي عن(بناء البيت الطيني باسلوب حديث في هور الجبايش).

 

الهور..مرتبط بشكل كبير جدا..بالماء.. وهذا يعني ان غداءنا سيكون سمك (مسقوف) بالمعنى العراقي… مشوي على قطع من الجمر ولكن لم يكن بخلدي ابدا….اني سأرى بام عيني..مأساة…يندى لها جبين الانسانية.

 

 

وصلت مع كادر البرنامج الى محافظة الناصرية….ومنها صاحبنا احد المصورين المكلفين بمساعدتي …لنتوجه الى(قضاء الجبايش 90كم جنوب الناصرية مركز محافظة ذي قار) كانت سيارتنا المسرعة…تنهال علينا بالاف الصور المروعة عن بقايا الهور وعطش الهور يعني حرب على الانسان والحيوان…معا .. بل وعلى البيئة بصورة اعم.

تذكرت…وانا اشاهد..الهور..بل ماكان يسمى بالهور تذكرت في دراستي الثانوية…كم قرأنا ودرسنا عن الهور العراقي..باعتباره….اقدم محمية طبيعية في التاريخ..تحافظ على ذات الطابع البشري  الذي سكنها على امتداد العصور هل المصريون الان يعيشون بذات المناخ الاجتماعي والاقتصادي في عهد الاهرامات لا!!هل الاشوريون والبابليون الان موجودون..لا؟؟

لكن  احفاد السومريين….يحملون ذات (الفالة ) التي حملها اجدادهم قبل آلاف السنين.. في صيد السمك ويتنقلون بذات  (المشحوف)..ويسكنون بذات بيوت الطين….وبيوت القصب والبردي..تماما كما كان اجدادهم الاولون.

 

قطع دوران مخيلتي….صوت المصور المساعد..الذي كان دليلي الى هذا العالم البدائي المجهول بالنسبة لي….حين ذكر لي ماذا فعل نظام صدام حسين ..في تجفيف الهور..وقطع المياه عنه….ليقتل الناس جوعا…بعد انتفاضة الشعب العراقي على حكمه بعد حرب الخليج الاولى عام 1991….مما اضطر سكان الهور..للهجرة قسرا عن موطن الاباء والاجداد

…..سألت مرافقي.. لكن ..التجفيف..انتهى مع نظام التجفيف.

 لكن مرافقي..أشار الى..وصولنا..الى وجهتنا… الى منطقة أبو(صوباط) في الجبايش”.وكانه اراد التهرب من الاجابة!!

 ترجلنا من السيارة…امام بيت مبني..نصفه الاسفل من الطين…والنصف العلوي من القصب …في هندسة معمارية لم ارى صورة مشابهة لها..حتى في كتب التاريخ؟!

رحب بنا..رجل خمسيني..اسمر..بلون الارض السومرية..عرفت بعدئذ..انه مضيفنا…المهندس جاسم الاسدي …والذي شغل منصب رئيس منظمة طبيعة العراق

(في العراق الاف منظمات المجتمع المدني بعد عام 2003..ولكن اغلبها في امور الطفولة والايتام والاقتصاد..ومعضمهاوهمي..عملها على الورق فقط)

سالت الاسدي عن سبب عملهم في مجال الطبيعة..فقال لي:ان العراق..تعرض لمصائب بيئية كبيرة على امتداد خارطة الحروب المتعاقبة في اربعة عقود مروعة,,,ولانني ابن الهور….وفتحت عيني على جماله الخلاب….حين كانت تسمى الاهوار…فينيسيا العراق!؟وكنت شاهدا على جريمة تجفيف الاهوار…لهذا فبعد التغيير عام 2003كان لزاما علي ان ابدا مع بعض الاخوة..مشروعا لكي نحمي طبيعة العراق.ونرمم صورة الاهوار .وخاصة هور الجبايش الذي نحن الان فيه

 

 

قبل دخولنا الى داخل البيت الطيني..قرأت عبارة( مشروع البيت الطيني باهوار الجبايش ))فسالت المهندس جاسم الاسدي..هل مشروعكم مشروع تجريبي للمحمية الوطنية في الاهوار الجنوبية من العراق،

فاجابني…

 

” نعم فكرة المشروع جاءت بالتنسيق بين المنظمة والفريق الايطالي لأعمار ذي قار …من خلال رؤية مشتركة في بناء بيت طيني من تصميم المعمارية الايطالية” جورجيا” ، ضمن منطقة أبو(صوباط) في الجبايش”.وأضاف “وتعتمد قيمة المشروع على إتاحة المجال لسكان الأهوار للاطلاع المباشر على نموذج سكن محلي يعتمد على المواد الأولية، طين، قصب، مستفيداً من الخبرة المحلية وإمكانية إنجازه بسهولة وبكلفة بسيطة

 

فقاطعته متسائلا(اتعني انكم تريدون من الاهالي ان يقلدوا تصميمكم؟؟!؟

وعلى الفور…اجابني(نعم..نعم…هذه  هي غايتنا..لان المشروع  الذي ابتدأ العمل به في 10 من أيلول عام 2009 استغرق ثلاثة أشهر لانجازه، واستخدمت فيه المواد الأولية المتوفرة في المنطقة، والأيدي العاملة المحلية، كما روعي في التصميم البساطة، والوظيفية، والأقواس المتناظرة اعتمادا على عمارة المضيف المحلية”

وتابع “أن الاعتماد على البناء الطيني يزيد العلاقة الحميمة بين الإنسان والبيئة، نظراً لاعتماده عليها وتوظيف المحيط فيها وهي التربة، الحجر، القصب، والتبن وعناصر أخرى متوفرة في هذه المنطقة أو تلك،

 

….انتقلت انا والاسدي في غرف البيت الطيني…المحدث…والمطور…كان بناءا رائعا…حيث يمتد طول البناء على مايقارب 100متر تقريبا…فيه غرفة نوم واحدة واستقبال …وغرفة لتناول الطعام مع حمام شرقي…وحمام غربي.. نعم.. حمام غربي… ذهلت حين رايته..للوهلة الاولى ولكن مضيفي..قرا الدهشة في وجهي..فسارع للتعقيب قائلا(نحن زاوجنا بين التراث السومري..ومستلزمات الحضارة والتطور..فانت ترى الرخام الجميل..يغطي اجزاءا من جدران  المطبخ..والحمام..ونحن استخدمنا المراوح السقفية واجهزة التبريد الحديثة…جنبا الى جنب استخدام القصب في عمل الشبابيك!!وهذه طريقة بدائية جدا في تبريد البيوت في الاهوار.لان  الشبابيك القصبية ترش بالماء..وهذا سر التميز والفرادة!؟

لكني حاولت مشاكسته قائلا…ما الجديد!؟

فاجابني المهندس الاسدي..بصوت حاد:البيوت ..تبنى اما من الطين..او من القصب..ولكنها المرة الاولى التي يتم المزاوجة بين الاثنين..!!وبكلفة اقتصادية زهيدة  بحيث يتمكن الاهالي من التعايش مع الفقر والتطور معا.

 

 

 

 

 

 

لكني حاولت مشاكسته مرة اخرى..بصورة اشد…حين سالته:…مازل مشروعكم يراوح في تقنيات الالف السادس قبل الميلاد..ونحن الان في بداية الالفية الثالثة بعد الميلاد..!!كيف تفسر لي ذلك؟

فاجابني بثقة وحزم “بعض الدراسات تتحدث بان تاريخ العمران البشري عبر مختلف العصور يشير الى  أن العمارة الطينية كانت العمارة الأكثر انتشارا عبر التاريخ وفي مختلف القارات، وهي بالتالي العمارة التي تسود في العالم. وان ظهرت وتبلورت ملامحها الأولى في حضارات من حفريات أثرية، وروايات، ومشاهدات تاريخية، إضافة إلى علوم الأنتروبولوجيا، إلا أنها عمت كافة أنحاء العالم القديم، ومازالت تشكل العمارة البيئية الأكثر انتشارا والأقل كلفة، والأسهل تشييداً في العالم. وبهذا الصدد تشير إحصائيات الأمم المتحدة أن ثلث سكان العالم مازالوا يسكنون منازل مشيدة من الطين، أو يدخل الطين  التراب كمكون رئيس في مادة البناء”.وقال أنها كانت تجربة ثرية لعمل جماعي متميز. كما أن استعمال الطين في بناء المساكن مرة أخرى يسمح بتحقيق عدد من الايجابيات منها ”  أن الطين كمادة طبيعية ومتوافرة في معظم المناطق جعل السكان المحليين يعتمدون خلال تقنيات بسيطة في تصنيعها ويعرفون تمام الفوائد الفيزيائية لمساكنهم من حيث الدفء والبرودة،إضافة كونها رخيصة الثمن كمواد بديلة في عملية البناء.ولا تشكل أي تلوث للبيئة أثناء التصنيع أو الهدم وإعادة البناء ،”مبينا ” أن الطين يخزن الحرارة والبرودة والرطوبة ، وتصنيعة بنسب مدروسة يحقق المتانة والعزل اللازمين في البناء.;كما لوحظ بالتجربة أن الجدران المصمتة الخارجية السميكة تحقق أكبر قدر من التأخير الزمني بالنقل  الحراري ،وأن جدران الطين بسماكة 40 سم تؤخر الحرارة 15 ساعة ، وبالمقارنة نجد أن جدران البلوك الأسمنتي بسماكة 20 سم لا تؤخرالحرارة سوى خمس ساعات وست دقائق فقط،وأن هذه المادة المتوفرة الرخيصة تستطيع أن تقدم أنتاجاً مباشراً سريعا ،فضلا بان هذا النوع من المساكن يستطيع التحررمن قيود المركزية والبيروقراطية والاحتكار.

حين رايت ان اجابته مقنعة جدا…..صرت كالطالب بين يدي معلمه… وهذه صفة لم نتعود كاعلاميين ان نتصف بها!!.فسألته مستزيدا ومستفهما..عن وجود تجارب متشابهة في العالم!؟

 

فاجابني المهندس جاسم الاسدي..بنوع من الفخر…كان واضحا على تقاطيع صوته

نعم…أن من أشهر المعماريين المشاركين في هذا المجال المهندسين  (ألان ماسون، وجان هاتس) اللذان  نفذا حوالي 2900 مسكن عام 1968 في المغرب.، إضافة إلى عدد من  الأعمال الناجحة ، مركز التربية الزراعية في نياتيغ في السنغال والذي نال عام 1980 جائزة عالمية وهو من تصميم المهندس البلجيكي (اسوالد دي ليكور) والذي نفذ بمساعدة منظمة اليونسكو، كما يعتبر المعمار المصري حسن فتحي أحد المعماريين البارعين  الذي أبدع في تصميم وتنفيذ قرية (القرنة) الطينية والتي تجاوبت مع بيئة الصحراء الحارة       

 

….اثناء حديثنا..دخل رجل في العقد السابع من عمره..يرتدي الزي العربي المشهور ….فما كان  من المهندس الاسدي الا وان عرفنا به…فهو من علمه كيف يحب الطبيعة..الا وهو والده… الشيخ الاسدي

رحبنا بالشيخ….الذي كان يتمتع بقدر كبير من الكياسة  والثقافة والاريحية…وبدوره بادرنا بالحديث دون ان نساله…

“ابنائي…أن البيوت الطينية تشير إلى التجمعات البشرية الأولى حيث يعود تاريخ البيوت الطينية إلى الألف السادس قبل الميلاد، ويعتبر نتاج ضفاف الأنهار، وحافات الأهوار، والجزء الوظيفي من ثقافة الماء، وتداعيات شؤونه وشجونه، وهو نتاج الحاجة، والمخيلة وحصيلة التجربة والتأمل في الطبيعة والبيئة”

حاولت ان استثمر وجود ذاكرة شعبية شاهدة على الهور..فسالته…عن الفرق بين الهور قبل 60عاما والان؟؟

اجابني الشيخ..ودمعة بعينه…وبسمة بعين اخرى..

كانه رجع صبيا في ذاكرة القصب  والبردي..

(ابنائي…الهور في ذاكرتي..كان جنة الله في ارضه..الناس ترقص مع القصب والبردي والسمك  بمئات الانواع والاحجام ؟والطيور!!…اه الطيور.

.(ياخذ نفسا عميقا وبحسرة يكمل)

الطيور..بمئات الالاف …اسراب مهاجرة…الينا من كل مكان في الارض..من روسيا والصين …كنا نرى انواعا من الطيور كتلك التي ترونها الان في التلفاز(ويقصد عالم الحيوان)لكن لعن الله من قتل شعبنا..وجفف الاهوار…وجعل الطبيعة تموت.

حاولت استدراج الشيخ في الكلام عسى ان اصل الى حقيقة غائمة/ولكن ياشيخ..الطاغية مات… ونظامه انتهى!!والاهوار مازالت ميتة.

 

اجاب الشيخ الاسدي…بنوع من الغضب:تعد اهوار الجبايش اكبر مناطق اهوار جنوبي العراق وتبلغ مساحتها نحو 600 كم2، ويبلغ عدد سكانها والمناطق المحاذية لها نحو 380 ألف نسمة، يمتهن معظمهم الزراعة وصيد الأسماك والطيور وتربية الجاموس.لهذا الهور  لنا….حياة لابديل عنها .

تعرضت الاهوار الى عمليات تجفيف في ثمانينيات القرن الماضي ما أدى الى هجرة أكثر سكانها واختفاء مسطحات مائية واسعة ..وبعد عام 2003 والتغيير في العراق… زاد الهور جفافا.!والاهالي فقرا لان لا احد من المسؤولين في الحكومة العراقية …يزور الاهوار!! الا في وقت الانتخابات…لشراء الاصوات…عتبي على المعارضة العراقية التي كنا نحمي رجالها في بيوتنا.. ونطعمهم من طعامنا قتلنا وسجنا وهجرنا بسببهم اليوم حين صارت الدولة لهم..تنكروا لنا ولم يسالوا عمن وقف الى جنبهم في الماساة والشدة.

قاطعته..مستفزا:ياشيخ..المطر قليل فماذا يفعلون؟!

اجابني باستهزاءواضح:الحكومة لو ارادت ان تحيي الاهوار لفعلت الاتستطع الحكومة ان تعطي تركيا النفط مقابل زيادة المياه في دجلة والفرات او ان تقوم الحكومة بانشاء  سدود لخزن مياه النهر العذبة قبل ان تصب في شط العرب  المالح النفط ليس اهم من الماء لان حياتنا فيه

خرجت مع الكادر التلفزيوني الذي معي..خارج البيت الطيني..ففوجنا بكادر اعلامي من وكالة اعلامية امريكية وبريطانية مشتركة ليسوا مهتمين بالبيت الطيني فحسب..بل في منطقة الاهوار…بصورة عامة

فسالت السيد عن رايه في الاهوار فقال لي:لوكانت الاهوار في أي بلد في العالم…لكانت المورد الاول والاهم في التنمية التجارية والسياحية لذلك البلد بل تستطيع المملكة المتحدة ان تتنازل عن كل مواردها..مقابل ان تكون عندها الاهوار ولكن العراقيين لايعرفون قيمة ما في أيديهم من ثروات حقيقة.

 

بعدها…اخذني المهندس جاسم الاسدي…في جولة في بعض بيوتات المنطقة..والتي كانت عبارة عن هياكل طينية….تحسبها للوهلة الاولى…من العهد السومري الاول

اصر المهندس الاسدي ان يعرفني على اهم امراءة شاركت في صناعة (الباريات)وهي السقوف والجدران المصنوعة من القصب والبردي…ام علي..وهي امراءة في منتصف الثلاثينات من عمرها…ترتدي العباءة العراقية المعطرة بالشرف والعفة…لان هذه العباءة ليس لها من العباءة الا الاسم!!!من فرط عدد الخيوط التي خيطت بهاهذه المراءة فتوق عباءتها المتهرئة.

جلست معها حول _بارية القصب..كما يسمونها…تعلمني كيف تكون عملية..نسج القصب..بسهولة تامة..كأن ام علي..تقوم بالعزف على قيثارة..اوتارها الحرير..وليس القصب اليابس الذي يدمي الاصابع.

حاولت دغدغة مشاعر الانوثة المكبوتة تحت العباءة السومرية!!!ففشلت محاولتي..حين سالتها مازحا:هذه المهنة تدر عليك اموالا طائلة!!فالقصب في الهور مجانا. .. وانت تبيعينها باثمان جيدة.  

ضحكت هذه المراءة الخجولة…من عقلي!!ربما وربما من سخافة القدر الذي اجبرها على تحمل صحفي ثقيل الدم ….قادم من بغداد..يؤخرها عن انجاز عملها.

فأجابتني مضطرة:قبل سنين طوال..كانت هذه الارض اليابسة القاحلة التي تحت قدميك……ماءا..وقصبا… اما الان ..فالقصب.يبعد عنا عشرات الكيلومترات ولا نستطيع الوصول اليه وحمله الى بيوتنا هنا.

الان نحن نشتري القصب من اناس اخرين لديهم سيارات تحملها الينا انظر….(واشارت الي الى كومة من القصب)…انظر الى هذه الكومة..تكفي لصناعة …بارية واحد(قطعة منسوجة من القصب)نشتريها بخمسة الاف دينار(4دولارات تقريبا)ونعمل بها يوما كاملا..انا وزوجي وبناتي واولادي الاربعة….جميعنا سوية…لنكملها في يوم واحد…ولنبيعها في السوق بعشرة الاف دينار(8دولارات)

لم استطع كتمان صرخة الم واندهاش..تقصدين ان العائلة تعمل يوما شاقا لتحصل على على خمسة الاف دينار فقط؟!؟

فاطرقت براسها الى الارض خجلا ثم  رفعت راسها بعز وشموخ(الحمد لله…لم نسرق ولن نسرق نشتري ماءا صالحا للشرب بالف دينار..والباقي نأكل به لاوضائف  ولا اعمال لزوجي ولا للناس هنا.

 

غادرنا ام علي وعائلتها..وتوجهنا..انا وفريق البرنامج..الى مقر جمعية طبيعة العراق لنتناول غدائنا هناك حيث كانت صدمتي كبيرة ..حين قدم المهندس الاسدي  لنا مائدة طيبة تحوي جميع صنوف الاطعمة ماخلا..السمك لان الاهوار …طلقها الماء والسمك.

وانا اهم بركوب السيارة راجعا الى الناصرية مركز محافظة ذي قار..استوقفني شاب اسمر…ترتسم ملامح القوة والعنفوان عليه وهو يشير بيده الى بناية كبيرة كانها مسجد..في اقصى الهور وهو يقول لي

…اتعرف يا اخي ماذلك البناء!!

لم ينتظر جوابا مني!!واستطرد قائلا:

انه مهزلة القرن الواحد والعشرين!!انه نصب تذكاري شيدته الحكومة  العراقية..لشهداء الاهوار!!في عمق الهور..!!بالله عليك..هل نحن نحتاج الى نصب تذكاري للشهداء..كي لاننسى شهداء الاهوار ونحن كل يوم شهداء للجوع والفقر والعوز والبطالة اما كان الاجدر بالمسؤلين ان يشغلوا ابناء الاهوار في وضائف الجيش والامن !!او تشغيلهم في اعمار الاهوار أي مهزلة هذه؟

نحن نشاهدهم يبنون هذا النصب التذكاري منذ \3سنوات وبكلفة خيالية !!حوالي 25مليون دولار اتصدق ملايين الدولارات امام اعيننا ونحن نموت جوعا والما على اطفالنا الذين لايجدون شيئا ياكلون لاطعام لادواء.

 

هربت نعم هربت من قرية البوصوباط ولم اكمل رحلتي في قرى هور الجبايش ….وعدت محملا باسئلة مؤلمة…

امام طاولة عدد من المسؤلين في مركز المدينة

فقال لي مصدر مسؤول، فضل عدم ذكر اسمه، ان “المشاريع المنجزة ضمن خطة انعاش الاهوار بذي قار منذ 2003 غير مخطط لها ولا يستفاد منها المواطنون وخصوصا وان المنطقة ينقصها الكثير من البنى التحتية من مدارس ومجمعات مياه او ايصال الكهرباء الى قراها”.

وبين ان “هنالك مشاريع لا تتناسب مع حاجات الساكنين مثل نصب لشهداء الاهوار بكلفة كبيرة جدا(25مليون دولار) ومتحف بقيمة اكثر من (5مليون دولار!!) ومرسى للزوارق بقيمة تقارب (4مليون دولار) والان من الصعب ايجاد حل للمشاكل التي تعانيها الاهوار بسبب المشاكل المالية”.

اما رئيس لجنة انعاش الاهوار بمجلس المحافظة حسن وريوش فقد صرح مرارا وتكرارا “هنالك ضائقة مالية ما ادى الى قلة المشاريع الخدمية المهمة، وابلُغنا انه خلال عام 2011 سيتم تصفير ميزانية انعاش الاهوار ماعدا المشاريع المستمرة والمباشر بها سابقا وميزانية المحافظة تم اعدادها وهي لم تغطي مشاريع عديدة بالأهوار لان الميزانية قليلة ولا تتناسب مع حاجات المحافظة”.

واوضح مسؤول لجنة انعاش الاهوار بقضاء الجبايش احمد كاظم سلمان “اعتمدنا بالسنوات السابقة على ميزانية انعاش الاهوار لان الميزانية المخصصة لقضاء الجبايش تعتمد على عدد السكان وهو قليل بسبب طبيعة الاهوار وكنا نعول على دعم ميزانية وزارة الاهوار وخصوصا بعد ان اخفقت في العام الماضي في تحقيق مشاريع بمنطقتنا”.

واشار الى ان “المشاريع المنفذة بالأهوار، طوال السنوات السبع الماضية، كانت بعيدة كل البعد عن التخطيط الايجابي والنفع العام “، مضيفا “هنالك مشاريع اقيمت لأسباب سياسية وحتى حزبية دون النظر لحاجة الاهوار الحقيقية”.

قبل ا ن اترك الهور…وآلامه وهموم ساكنيه!!…تذكرت عائلتي في بغداد…سارجع لهم من الهور دون ان احمل لهم هدية(سمكية)..!!هل سيصدقون ان جريمة تجفيف الاهوار مستمرة؟! وهل سيفهم اطفالي بان البيت الطيني الحديث في الجبايش..ماهو الا نموذج فريد…لحل مشكلة كبيرة…لن تطبق ما دام المسؤلون في غيبوبة وغياب عن الالم اهل الاهوار!!

فقررت ان اشتري سمكا من سوق السمك في محافظة ذي قار!!! وادعي…زورا وبهتانا انه من سمك اهوار الجبايش.